في 26 ماي الماضي خاض أولى مبارياته مع المنتخب المغربي، وها هو الآن يخطف الأضواء في المونديال. ب”أستاذية” متميزة.
إن أحد أكثر الأمور إثارة وشغفا في بطولات كأس العالم هو قدرتها الفائقة على تقديم لاعبين يصعدون فجأة ولمرة واحدة إلى مصاف النجوم، إن لم نقل كشهب عابرة في سماء اللعبة.
ولا يمكن للذاكرة الكروية أن تنسى النجم الإيطالي “سالفاتوري سكيلاتشي” (توتو كما كانت تسميه العناوين الصحفية)، الذي سجل ستة أهداف في مونديال إيطاليا 1990 ثم غادر الساحة كما دخلها: سريعا ودون جلبة.
واليوم، يأتي المغربي أيوب بوعدي (18 عاما)، لاعب وسط نادي ليل، ليعلن أمام منتخب البرازيل أنه جاء إلى عالم كرة القدم ليبقى بين الصفوة.
لم يكن بوعدي اسما مجهولا بالنسبة للوكلاء، والكشافين، والباحثين في غياهب الإنترنت، فقد تعرف عليه جمهور ريال مدريد في نوفمبر 2024، بمناسبة مباراة ليل وريال مدريد في الدور الأول من دوري أبطال أوروبا، وهي المواجهة التي كشفت الكثير عن مسار كارلو انتشيلوتي في موسمه الأخير مع النادي الملكي.
في ذلك اليوم، فاز نادي ليل ــ وهو منتج ممتاز للمواهب وجامع معتمد للأموال في سوق الانتقالات ــ بتلك المباراة بهدف نظيف عن جدارة واستحقاق، وبفضل لاعب خط وسط كان يدشن أولى خطواته في دوري الأبطال، كان يدعى بوعدي، وفي ذلك اليوم بالذات كان يحتفل بعيد ميلاده السابع عشر.
بين ذلك المراهق واللاعب الذي أبهر الجميع ضد البرازيل في المونديال الحالي، هناك ما هو أكثر من مجرد فارق زمني مدته عام ونصف، إنه النضج التصاعدي في أبهى صوره.
لقد دخل بوعدي المباراة ليتسيدها ويفرض أحكامه عليها، وبأي طريقة! استعرض الفتى كل فنون لاعبي الوسط الكبار، فكان لغزا مستعصيا على الفهم بالنسبة لخصومه المرموقين من طينة كاسيميرو، برونو غيماريش، ولوكاس باكيتا، الذين وقفوا عاجزين عن مجاراة خفة حركة، ودقة، وتنويع هذا اللورد المغربي الشاب، لينتهي الأمر بالثلاثي البرازيلي بمغادرة أرضية الملعب مبكرا نحو غرف الملابس.
لم تكن هناك وسيلة لإيقاف بوعدي، الذي شارك أساسيا في المركز الذي ظل محجوزا بمرسوم رسمي للاعب سفيان أمرابط منذ مونديال قطر 2022.
وإذا كان أمرابط لاعبا كفؤا ومقاتلا، فإن بوعدي شيء آخر تماما ،إنه مشروع نجم عالمي.
وفي منتخب يُعد فيه أشرف حكيمي القائد العام والمطاع، لم يطلب هذا الزميل الشاب الإذن من أحد لينصب نفسه قطبا ومركز ثقل للفريق، فبقامته الممشوقة، وزاوية رؤيته الواسعة، وقراراته البديعة، لم يكن بحاجة سوى لخمس دقائق ليضع المنتخب المغربي نفسه تحت تصرفه ورهن إشارته.
ثمة أمر استثنائي يحدث في كرة القدم المعاصرة، حيث تلاشى الخوف تماما من مسألة “الامتداد المبكر” والمواهب اليافعة، وإسبانيا تعرف هذا الأمر حق المعرفة؛ فقد توج لامين يامال بكأس أمم أوروبا بعد يوم واحد من إطفاء شمعته السابعة عشرة، ومجايله باو كوبارسي سيكون المدافع المحوري الأساسي في أولى مباريات إسبانيا بالمونديال.
إن الحديث عن “نقص الخبرة” بات يبدو غريبا في كرة القدم الحالية، فلم يعد هناك انتظار لمن يمتلك الموهبة الفذة، فها هو “دويمان” (16 عاما) يبرز كظاهرة قادمة في أرسنال، و”نغوموهـا” (17 عاما) يمثل البصيص المضيء الوحيد لجماهير ليفربول.
إن القائمة تطول وتتسع، ولكن بعد انفجار موهبة لامين يامال، لم يحدث أن تركت أي إطلالة كروية أثرا بالغا وصدمة إيجابية كما فعلت إطلالة أيوب بوعدي.
في 26 ماي خاض أولى مبارياته بقميص أسود الأطلس، وبعد ثلاثة أسابيع فقط، ها هو يخطف الألباب ويذهل العقول في كأس العالم.