انتحار الشباب في المغرب: عندما يدفع الفشل الحكومي ثمنه جيل بأكمله!
هالة انفو. بقلم كوثر المقدمي
تعكس ظاهرة الانتحار في صفوف الشباب أزمة متعددة الأبعاد، تتداخل فيها العوامل الاقتصادية، الاجتماعية، والنفسية، وحتى الوازع الديني ايضا، في سياق يتسم بتراجع الفرص وانعدام الأفق. فالمغرب، كغيره من الدول النامية، يواجه تحديات مرتبطة بتنامي معدلات البطالة، هشاشة السياسات العمومية الموجهة للشباب، وتدهور الخدمات الاجتماعية، مما يجعل الشباب أكثر عرضة للإحباط واليأس.
لكن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه هو: هل الانتحار المتزايد في صفوف الشباب ظاهرة فردية ناتجة عن مشاكل نفسية فقط، أم أنه مؤشر على أزمة أعمق تتعلق بفشل السياسات العمومية في توفير بيئة آمنة ومستقرة لهذه الفئة؟
_ المعطيات الإحصائية حول الانتحار والشباب في المغرب
رغم غياب أرقام دقيقة ومحدثة حول معدلات الانتحار في المغرب، فإن بعض التقارير الصادرة عن وزارة الصحة ومنظمات حقوقية تشير إلى تزايد حالات الانتحار، خاصة في صفوف الشباب. وفقا لبعض التقديرات:
يسجل المغرب حوالي 7،2 حالة انتحار لكل 100.000 نسمة سنويا، حسب تقديرات دورية لمنظمة الصحة العالمية في سنة 2019 ، مع ارتفاع ملحوظ بين الفئات العمرية الشابة.
في ظل غياب دراسة وطنية علمية شاملة حول ظاهرة وهذا ما أكدته وزارة الصحة والحماية الاجتماعية .
في حين أن المناطق الشمالية ( جهة طنجة-تطوان-الحسيمة) تسجل أعلى معدلات الانتحار، نظرا لعوامل اقتصادية واجتماعية مرتبطة بالفقر والتهميش.
و الشباب في المناطق القروية والمهمشة أكثر عرضة للانتحار، نتيجة قلة الفرص الاقتصادية وغياب الخدمات الاجتماعية والنفسية.
ورغم هذه الأرقام المقلقة، لا توجد سياسة وطنية واضحة لمكافحة الظاهرة، حيث يغيب التتبع المنتظم للحالات، إضافة إلى نقص البيانات التي من شأنها أن تساعد في وضع استراتيجيات وقائية فعالة.
– فشل السياسات العمومية في توفير فرص للشباب
تعتبر السياسات العمومية الموجهة للشباب أحد العوامل الأساسية التي تحدد مدى إدماج هذه الفئة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية. ورغم إطلاق المغرب لمجموعة من البرامج الموجهة لمحاربة البطالة، إلا أن تأثيرها يظل محدودا بسبب ضعف التخطيط وغياب الاستدامة.
* برامج التشغيل: حلول ترقيعية غير فعالة
سعت الحكومات المتعاقبة بالمغربية إلى محاربة البطالة من خلال برامج مثل:
“أوراش”: برنامج مؤقت يوفر فرص عمل غير مستقرة، وغالبا ما يكون في القطاعات غير المهيكلة.
“فرصة”: يهدف إلى تمويل المشاريع الصغيرة للشباب، لكنه يعاني من صعوبات إدارية وضعف المواكبة.
“إنطلاقة”: مبادرة لدعم المقاولات الصغرى، لكنها تواجه تحديات في التمويل والمتابعة.
ورغم هذه المبادرات، فإن الأثر الفعلي لهذه البرامج يظل ضعيفا، حيث تظل نسبة كبيرة من الشباب عاطلة عن العمل، مما يعمق الإحباط واليأس. فالأزمة لا تكمن فقط في غياب فرص العمل، بل في غياب فرص عمل لائقة تضمن الكرامة والاستقرار الاجتماعي والاقتصادي للشباب.
. التعليم والتكوين: فجوة بين التأهيل وسوق الشغل
يعاني النظام التعليمي بالمغربي من انفصال واضح بين التكوين الأكاديمي ومتطلبات سوق العمل، حيث تخرج الجامعات آلاف الشباب سنويا دون أن يكون لهم مكان في سوق الشغل.
– غياب التكوين المهني الموجه نحو حاجيات الاقتصاد الوطني يزيد من تفاقم البطالة.
ضعف سياسات دعم الشباب الحاصلين على شهادات عليا يجعلهم أكثر عرضة للإحباط.
غياب رؤية شاملة لإدماج الشباب في سوق الشغل يجعلهم يتوجهون نحو الحلول الفردية، مثل الهجرة غير النظامية أو العمل في الاقتصاد غير المهيكل، أو في بعض الحالات، السقوط في اليأس والانتحار.
– التهميش الاجتماعي والضغط النفسي: غياب سياسات الحماية والدعم
إلى جانب الأزمة الاقتصادية، يعاني الشباب المغربي من التهميش الاجتماعي والنفسي، حيث تفتقر الدولة لسياسات واضحة لدعم الصحة النفسية لهذه الفئة.
– غياب خدمات الصحة النفسية
لا يتجاوز عدد الأطباء النفسيين في المغرب حسب منظمة الصحة العالمية في تقرير *Mental Health Atlas2020* والذي بلغ حوالي 290 طبيبا نفسيا،وهو عدد غير كاف لتغطية حاجيات السكان.
-مراكز الدعم النفسي والاجتماعي شبه غائبة، خاصة في القرى والمناطق المهمشة.
ضعف الميزانية المخصصة للصحة النفسية يجعل الشباب غير قادرين على الوصول إلى خدمات العلاج النفسي.
– الضغوط الاجتماعية والمشاكل الأسرية
الشباب يعانون من ضغوط اجتماعية متزايدة بسبب غلاء المعيشة وصعوبة تحقيق الاستقلال الاقتصادي والذاتي .
فالعائلات نفسها تعاني من الهشاشة الاقتصادية، مما يجعلها غير قادرة على دعم الشباب.
فالشباب الذين لا يستطيعون الهجرة أو تحسين وضعهم الاقتصادي يجدون أنفسهم في حالة إحباط تدفعهم أحيانا نحو أفكار انتحارية.
– نحو سياسات عمومية أمنية أكثر نجاعة لحماية الشباب
لمواجهة هذه الظاهرة، لا بد من إعادة النظر في السياسات العمومية الموجهة للشباب عبر إجراءات عملية ومستدامة، من بينها:
– إصلاح سياسات التشغيل: من خلال خلق فرص عمل حقيقية في قطاعات واعدة مثل: الصناعة و التكنولوجيا، الطاقات المتجددة، الاسثمار …
– إدماج الصحة النفسية في السياسات العمومية: عبر إنشاء مراكز الدعم النفسي مجانية أو بأسعار رمزية في جميع مناطق المغرب.
. إصلاح النظام التعليمي والتكويني: لجعله أكثر توافقا مع متطلبات سوق الشغل.
– محاربة التهميش الاجتماعي: من خلال برامج إدماج اقتصادي واجتماعي تحمي الشباب من الضغوط النفسية التي قد تدفعهم للانتحار.
– إطلاق حملات توعية حول الصحة النفسية والانتحار: لكسر “الطابوهات” حول الموضوع وتحفيز الشباب على طلب المساعدة عند الحاجة.
ويظل الانتحار في صفوف الشباب ليس مجرد ظاهرة فردية أو نفسية، بل هو نتيجة مباشرة لفشل السياسات العمومية في توفير بيئة اقتصادية واجتماعية ملائمة لهذه الفئة. ومع استمرار ارتفاع معدلات البطالة، التهميش الاجتماعي، وضعف الخدمات الصحية والنفسية، يصبح الشباب أكثر عرضة لليأس والإحباط.
إن الحل لا يكمن فقط في التدخلات السطحية، بل في إصلاح جذري للسياسات الموجهة للشباب، لجعلهم أكثر قدرة على مواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية، وضمان مستقبل أكثر استقرارا وأملا لهم ولمجتمعهم ككل.
فاليوم نشهد جميعا تزايد الانتحار في صفوف الشباب المغربي وهذا إقرار ضمني لفشل السياسات العمومية وتزايد الأزمة الاجتماعية
إن ظاهرة الانتحار في صفوف الشباب تضع من يدبر الشأن العام تحت مجهر حقيقي، حيث تكشف عن مجموعة من الاختلالات التي تستدعي الاهتمام العاجل. إذا لم يتم الانتباه لهذه الظاهرة ومعالجتها بشكل جاد، فإننا قد نصل إلى نقطة لا يمكننا فيها احتواء تداعياتها
مستقبلا. إن التحديات التي تواجه الشباب اليوم تتطلب سياسات عمومية قوية وشاملة تضمن لهم فرص حياة كريمة، مستقرة وآمنة.