8 مارس: ليس احتفالا .…بل نضال متواصل من أجل اقرار كل الحقوق الإنسانية للنساء

هالة انفو. بقلم: كوثر المقدمي

اليوم العالمي للمرأة: بين الرمزية والتاريخ النضالي

في كل سنة ، تحل ذكرى 8 مارس من أجل العمل المستمر ورفع شعار المساواة والحقوق الإنسانية للنساء، لكن ما يثير الانتباه هو الطابع الاحتفالي الذي اصبح يخيم على الحدث ، لكن في الحقيقة ان خلف الاحتفالات والورود التي تقدم في هذا اليوم، هناك تاريخ نضالي طويل مليء بالمطالب من اجل العدالة والمساواة، وبصراع لا يزال قائماضد كل أشكال التمييز والعنف الاقتصادي والاجتماعي والسياسي … ضد النساء.

■ الخصوصية النضالية لليوم العالمي للمرأة

يعود اختيار هذا التاريخ إلى إضراب العاملات في قطاع النسيج في نيويورك عام 1908، حيث خرجن إلى الشوارع للمطالبة بتحسين ظروف العمل وخفض ساعات العمل وتحقيق المساواة في الأجور. وفي عام 1910، اقترحت الناشطة الاشتراكية كلارا زيتكين تخصيص يوم عالمي للمرأة خلال مؤتمر كوبنهاغن للنساء العاملات، وهو ما تم إقراره لاحقا واعتماده رسميا من قبل الأمم المتحدة عام 1977.

لكن هذا اليوم لم يكن أبدا مناسبة احتفالية، بل هو محطة للتذكير بضرورة استكمال مسار النضال من أجل تحقيق المساواة الفعلية، ليس فقط في القوانين، بل في الممارسة اليومية.

■ النساء والحقوق: ماذا تحقق؟ وماذا بقي؟

على مستوى الحقوق المدنية والسياسية: تقدم ملحوظ ولكن…؟؟

رغم تحقيق النساء في العديد من الدول لمكاسب سياسية، مثل الحق في التصويت والترشح والمشاركة في الحكومات، لا تزال نسب التمثيل السياسي للنساء أقل من الطموح الذي تسعى اليه النضالات النسائية . في العديد من البلدان، تواجه النساء عقبات تتعلق بالممارسات الثقافية أو التمييز الممارس ضدهن في الفضاءات السياسية.

على مستوى الحقوق الاقتصادية: فجوة الأجور والعمل غير المهيكل

لا تزال الفجوة في الأجور بين الجنسين قائمة في معظم الدول، حيث تتقاضى النساء في المتوسط أجورا أقل بنسبة تتراوح بين 20% و30% من أجور الرجال في الوظائف المماثلة. كما أن نسبة كبيرة من النساء يعملن في القطاع غير المهيكل، دون أي حماية قانونية أو اجتماعية.

وبخصوص العنف ضد النساء والفتيات الذي يقوم على أساس النوع الاجتماعي فهي معركة لم تحسم بعد

رغم وجود قوانين تجرم العنف القائم على النوع الاجتماعي في العديد من الدول، إلا أن الأرقام تشير إلى أن ملايين النساء يتعرضن للعنف كل عام، سواء داخل الأسرة أو في العمل أو في الفضاء العام.
فالمغرب مثلا، حسب تقارير المندوبية السامية للتخطيط حول العنف ضد النساء (2019) أن 57% من النساء تعرضن لشكل من أشكال العنف، رغم وجود قانون 103.13 لمناهضة العنف ضد النساء.

■ 8 مارس في المغرب: أي سياق؟

في المغرب، يحتل اليوم العالمي للمرأة موقعا خاصا ضمن الأجندة الحقوقية، حيث يتزامن مع مطالبات متزايدة بتفعيل مقتضيات الدستور، خاصة الفصل 19 الذي ينص على المساواة بين الجنسين. كما تتجدد الدعوات إلى مراجعة مدونة الأسرة لتكريس حقوق أكثر عدالة للنساء في قضايا مثل الطلاق، الحضانة، تزويج الطفلات ، البنوة…

بالإضافة إلى ضرورة إخراج الهيئة الدستورية المعنية بالمناصفة ومكافحة جميع أشكال التمييز والتي تضمن تطبيق المساواة على أرض الواقع .

■ الرهانات المستقبلية: نحو 8 مارس نضالي وليس شكليا

إذا كان 8 مارس يمثل فرصة للبعض انه يوم للاحتفال بإنجازات النساء، فإنه يجب أن يبقى رمزا للنضال المستمر. فالطريق إلى المساواة الكاملة لا يزال طويلا، ويتطلب:

■سياسات عمومية ضامنة للمساواة بين الجنسين

لضمان تحقيق المساواة الفعلية بين الجنسين ، ينبغي أن تركز السياسات العمومية على عدة محاور رئيسية تشمل التمكين الاقتصادي، القضاء على العنف ضد النساء، وتعزيز المشاركة السياسية، إضافة إلى إصلاح التشريعات وضمان التنفيذ الفعلي للقوانين.

● تعزيز المشاركة السياسية للنساء

تفعيل هيئة المناصفة ومكافحة جميع أشكال التمييز (المادة 19 من الدستور) بشكل مستقل وقوي، لضمان مراقبة مدى احترام مبدأ المساواة.

تعديل القوانين الانتخابية لضمان تمثيلية أكبر للنساء في البرلمان والجماعات المحلية، مع آليات تحفيزية للأحزاب السياسية.

تشجيع القيادة النسائية من خلال برامج تدريبية للنساء في المجال السياسي والتنظيمي .

● تمكين النساء اقتصاديا وتقليص الفجوات في سوق العمل

سد فجوة الأجور بين الجنسين من خلال آليات رقابية وتشريعية.

تعزيز دعم المقاولات النسائية من خلال تقديم التمويلات والتسهيلات الضريبية للنساء الرائدات في الأعمال.

إدماج النساء في القطاعات غير المهيكلة عبر برامج توفر الحماية الاجتماعية والتأمين الصحي لهن.

إصلاح قوانين الشغل لضمان تكافؤ الفرص في التوظيف والترقيات والمزايا الاجتماعية.

● القضاء على العنف ضد النساء وتعزيز الحماية القانونية

ضمان تنفيذ القانون 103.13 لمناهضة العنف ضد النساء بفعالية

تعزيز مراكز الاستماع والتوجيه القانوني للنساء ضحايا العنف وتوفير تمويل مستدام لها.

إطلاق حملات وطنية للتوعية بأهمية تكريس حقوق النساء في المجتمع ، تستهدف تغيير الصور النمطية في المجتمع حول أدوار النساء .

■ إصلاح التشريعات المتعلقة بالمساواة وقضايا النساء

مراجعة حقيقة وشاملة لمدونة الأسرة لضمان حقوق أكثر إنصافا للنساء.

إلغاء القوانين التمييزية المتبقية التي تعيق تحقيق المساواة، مثل بعض مواد القانون الجنائي

إدماج مبدأ المساواة بين الجنسين في جميع القوانين الجديدة لضمان عدم إصدار تشريعات تعزز الفجوة بين الجنسين.

■دعم المنظومة التعليمية بمواد تشجع على التربية على المساواة والحقوق الإنسانية للجميع

إدماج التربية على المساواة في المناهج الدراسية لمحاربة القوالب النمطية للجنسين من سن مبكرة.

توسيع فرص الفتيات في التعليم العالي والتخصصات العلمية والتقنية.

تمكين النساء في البحث العلمي والمجالات التقنية عبر برامج دعم وتمويل للأبحاث التي تقودها النساء.

■ تعزيز الوصول إلى الخدمات الصحية والاجتماعية

توفير خدمات الصحة الإنجابية والرعاية الصحية المجانية للنساء في وضعية هشاشة وفق عدالة مجالية تشمل جميع المناطق

ضمان ولوج النساء إلى أنظمة الحماية الاجتماعية، خاصة الأمهات العازبات، العاملات في القطاع غير المهيكل، والنساء في المناطق القروية.

■ من أجل 8 مارس حقيقي بمنظور حقوقي

إن تحقيق المساواة ليس مطلبا نسويا فحسب، بل هو قضية إنسانية وتنموية. فالنساء يمثلن نصف المجتمع، ولا يمكن لأي بلد أن يحقق التنمية الحقيقية دون مشاركة كاملة وعادلة للنساء في مختلف المجالات.
8 مارس ليس مجرد يوم، بل محطة في معركة طويلة من أجل العدالة والمساواة، معركة لن تنتهي حتى تصبح المساواة واقعا ملموسا وليس مجرد شعار.