“التخميل” و”التبييط” وإعداد “القْوام” و”العْوايد ” استعدادا لرمضان في تطوان

هالة انفو. كتب : عبد العزيز حيون

لأهل تطوان طقوس رمضانية عريقة تمزج بين الأندلسي و المحلي الأصيل، حيث يبدأ الاستعداد لهذا الشهر الفضيل قبل أسابيع من حلوله ببهجة واهتمام كبيرين ،خاصة وأن التطوانيات معروفات بـ “الحداقة” والترتيب المحكم الذي ينعكس على ترف البيوت حتى البسيطة منها .
وتبدأ نساء تطوان استعداداتها لشهر رمضان بما يطلق عليه التطوانيون ب “التخْميل” ،وهو التنظيف الشامل للبيت وتحضيره لشهر ليس كباقي الشهور ،و كانت تعلن حالة طوارئ منزلية حيوية قبل حلول الشهر الكريم قد تتقاطع مع مدن أخرى لكن تختلف عنها في جزئيات مُتفَردة .
فالبيوت التطوانية تخضع أولا كما جرت العادة لعملية تجديد مظهري مثير للاهتمام ، وتتم المرحلة الأولى من التخميل بطلاء الجدران (التبييط،نسبة الى اللون الأبيض) بالجير الأبيض حتى تظل البيوت دائما ناصعة البياض وأنيقة ،و تُنظف “التباني” (الأواني النحاسية الكبيرة) وتُلمع حتى تبرق ،و تُغسل الزرابي والستائر وتُبخر البيوت خاصة الأمكنة التي لها “قدسية خاصة” وحيث تؤدى بعض الصلوات و النوافل.
ثم يتم الانتقال تدريجيا الى المرحلة الثانية بتحضير “القوام” (المؤونة) وهو الاستعداد الغذائي الذي يبدأ عادة مُبكرا جدا، مع التركيز على بعض المكونات التي تؤثث مائدة التطوانيين ،منها السفوف ،و تحضير اللوز، و”الزنجلان” ، والدقيق المحمص بعناية فائقة والنافع وحبة الحلاوة والقرفة والزبدة الحيوانية، ويتم أيضا تحضير “الكويلش” ( الشباكية) ، الذي يصنع في البيوت وسط أجواء عائلية جميلة تجتمع فيها الجارات و القريبات.
وفي الإطار ذاته، يستلزم التحضير طحن التوابل ..فأهل تطوان ، كما جرت العادة ، لا يشترون التوابل مطحونة، بل يتم تنقيتها وطحنها في البيت لضمان جودتها ورائحتها القوية ،كما كانت نساء تطوان تحرصن مُسبقا على تقطير الزهر في البيوت لاستخدامه في الحلويات والشاي ،و إعداد السمن الحايل “المُعَتق”، الذي يُستخدم خصيصا في “الحريرة” التطوانية وبعض الأطباق المحلية الخاصة برمضان الكريم وغيره .
وعودة الى عملية التخميل ،تشمل العالية غسل “الستائر” و تغييرها بأخرى أكثر جمالية، وغسل “الشورات” والتلامط المطرزة بالطرز التطواني الشهير، وتعليق الستائر البيضاء التي تضفي هدوءا و انسجاما على الغرف في شهر ليس كباقي الشهور .
ويجتمعن النساء عادة لحك أواني النحاس (الصواني، البراريد، والمباخر) بالليمون والملح أو “الرملة” (تراب خاص لتلميع الأواني وتنظيفها كان يتواجد بكثرة في بعض الأحياء كحي سانية الرمل) حتى تلمع ولتكون جاهزة للطقوس الرمضانية واستقبال الضيوف المقربين وغيرهم ..كما يتم موازاة مع ذلك تشميس الصوف و إخراج “المطارب” المحشوة بالصوف أو بمواد أخرى أقل جودة لتعريضها للشمس وضربها بالعصي لتجديد هوائها ونفض الغبار عنها وإجلاء الحشرات عنها .
و بعد أن يصبح البيت يلمع بالنظافة، تنتقل النساء إلى المطبخ ،لتنقية “الزنجلان” واللوز وهي “الجلسة” المفضلة، حيث تجتمع الجارات أو القريبات لتنقية كميات كبيرة من “الزنجلان” واللوز لتحضير “السفوف” و تحميص الطحين وتحضير “البريوات” بمختلف محتوياتها ومعسلات أخرى و تخزينها في الأواني الفخارية .
و المرأة التطوانية الأصيلة تحرص كل الحرص على ضمان جو عام مناسب للشهر الفضيل ،فبمجرد الانتهاء من التخميل، يتم تبخير البيت بـ “العود ” والمستكة لإعطاء طابع روحاني للبيت ،و تخصيص مكان هادئ في “البيت د العتبة” أو الصالة للصلاة وقراءة القرآن، مع وضع السجادات المطرزة.
وأهم ما كان يميز هذه الاستعدادات كونها تتم في جو من “المعاونة” (التعاون والتضامن والمساعدة السخية) ، حيث لا تشعر المرأة بتعب التنظيف كثيرا بفضل تضامن الجارات والقريبات و البنات ،كعادة جميلة بدأت تفقدها المدينة شيئا فشيئا للأسف الشديد بسبب تغير نمط العيش والعلاقات الاجتماعية.
ولا بد من تخصيص زمن مناسب لطقوس “التجيير” (التبييط) قبل رمضان في تطوان والتي كان من أهم خصائصها التعاون بين ربات البيوت المجاورة لبعضها البعض أو نساء العائلة الكبيرة الواحدة ، مع استعمال بعض العطور البسيطة أو “ماء الزهر” أحيانا في المراحل النهائية لتعطير البيت .
وبعد جفاف “الجير”، تظهر تلك اللمعة الباردة التي تميز أزقة المدينة العتيقة بدون استثناء ،سواء التي يقطنها الأغنياء أو الفقراء على حد سواء فالنظافة لها قدسيتها لدى الجميع بغض النظر عن الوضع الاجتماعي .
وما دمنا نتحدث عن عملية “التجيير” (التبييط) لا بد من شرح أبعاد “التجيير ” البيئية والاجتماعية وخصائص “النيلة الزرقاء” كمكون خاص ومتفرد في عملية الطلاء التقليدي وكذا عن دور الأطفال في عملية التجيير ،مع العلم أن عملية “تبييط” البيوت لم تكن مجرد عملية تنظيف، بل كانت من الطقوس الاحتفالية التي تجدد روح الدار وتعكس قيم التضامن والتآزر والتآخي بين الجيران و أفراد العائلة الكبيرة .
ف”النيلة” (أو النيلة الزرقاء) تعتبر جزءا لا يتجزأ من الهوية البصرية لمدينة تطوان العريقة وبعض قراها المجاورة ، خاصة مع حلول “العواشر” واستعدادات استقبال شهر رمضان المبارك.
وتضا٤ النيلة لكسر لون الجير قليلا من الناحية الجمالية ، مما يعطي بياضا لامعا يميل للزرقة الخفيفة الباردة ،كما لها دور التعقيم وطرد الحشرات وتطهير الجدران ،إضافة الى أن النيلة تمنح الجدران لمسة “مخملية” تعكس الضوء بشكل مريح للعين داخل وخارج الدور التطوانية .
وللحصول على المسحة التطوانية المميزة لا بد أن يبدأ العمل بـ “إطفاء” الجير الحي ، الذي كان متواجدا بكثرة في منطقة بن قريش، في الماء وتركه ليبرد تماما ويُصبح ناعما ، ولا تُوضع النيلة مباشرة فيه لكي لا تترك بقعا بحيث تُذَوب كمية صغيرة جدا من “حجرة النيلة” في القليل من الماء الدافئ أولا حتى تذوب تماما،ثم تُضاف النيلة المُذابة إلى سطْل الجير بالتدريج قبل الحصول على لون “أبيض مزرق” خفيف جدا على أن يُصفى الخليط بقطعة ثوب رقيقة لضمان عدم وجود حُبيبات تُفسد مظهر الجدار ،كما يقول أهل المعرفة.
الأطفال الفاعل المهم للتحضير لرمضان لضمان استمرارية الطقوس :
وبما أن التحضير لرمضان يُعد طقسا اجتماعيا وتربويا بخصوصيات فريدة ، تشرك العائلات التطوانية الأصيلة عمدا الأطفال ،من الإناث والذكور ،في كل عملية تحضيرية لشهر رمضان المبارك عن قصد ، بل كانوا هم عصب الرحى الذي يُحرك هذه العملية ببهجة وحماس وتنافس بريئ يضفي على الأمكنة طابع خاص .
ومن أبرز مهام الأطفال مرافقة الكبار لجلب الجير والاطلاع على عملية التحضير ،مع الحذر الشديد ،و صباغة الزوايا السفلى والصغيرة والضيقة (التحرقيس) ،كما يُسمح للأطفال بالمشاركة في صباغة “الأسطح”، بينما يتولى الكبار الأماكن العالية و الصعبة والمعقدة ،كما كانت من مهام الأطفال مسح قطرات الجير التي تسقط على “الزليج” قبل أن تجف.
ومن مهام الصغار عند عملية “تخميل” الدار التطوانية المساعدة في نقل الأثاث الخفيف إلى وسط الدار (الفناء) أو السطح لتشميسها والمساعدة في تنظيف بعض الأماكن من المنزل و تنسيق الديكورات المعتادة ،وغالبا ما تعطى هذه المهام للبنات كدرس بديع في “التاويل” (الحداقة).
كما يساعد الأطفال من البنات الكبار في إعداد “السفوف” و”الشباكية” بتنقية اللوز والزنجلان والحبوب والمُكسرات من الشوائب كمهام كلاسيكية تفرحهم وتشوقهم وتحمسهم للعمل وتشعرهم بالمسؤولية على بساطتها ..كما كان على الأطفال ،من الذكور ، حمل ألواح الحلوى والتوجه بها إلى “فران الحومة” الذي له أدوار شتى سنأتي على ذكرها في مناسبة قادمة .
و كان الهدف من إشراك الأطفال ليس “السخرة” بقدر ما هو تلقين قيم التعاون و الانتماء والرغبة في تعزيز الروح الاجتماعية ..فالتعب في “التخميل” كان يُقابل بمكافآت ذات ةدلالات مثل شراء “الكسوة د رمضان” (ملابس العيد أو رمضان) أو السماح لهم بـ “التطويف” (صيام ساعات قليلة).