على الرغم من الطفرة الرقمية التي يشهدها المغرب في مجالات الأداء الإلكتروني والخدمات البنكية عبر الهاتف، لا تزال “الأوراق النقدية” تفرض هيمنتها المطلقة على المعاملات اليومية.
وحسب تقرير اقتصادي تحليلي متخصص، سجل التداول النقدي في عام 2025 ارتفاعا صاروخيا بنسبة 18.5%، ليصل إلى 491 مليار درهم، وهو رقم يعكس مفارقة غريبة: كلما زادت الرقمنة، زاد التشبث بالسيولة النقدية.
هذا التطور يؤكد أن اللجوء إلى العملة الورقية ليس مجرد سلوك عابر، بل هو ممارسة هيكلية متجذرة في النسيج الاقتصادي والاجتماعي للمملكة، تتجاوز الخطابات الداعية إلى “إزالة المادية” عن المدفوعات.
و شهد عام 2024 تباطؤا مؤقتا في نمو السيولة (+5.2%)، لكنه لم يكن تحولا هيكليا.
تأثير العفو الضريبي: التباطؤ في 2024 نتج بشكل أساسي عن عملية “العفو الضريبي” على الكاش، مما دفع أصحاب السيولة لإعادة ضخ أموالهم في المنظومة البنكية للاستفادة من تسوية وضعيتهم.
العودة القوية في 2025: بمجرد انتهاء مفعول العفو، عادت النزعة نحو “الكاش” بقوة، فزاد حجم السيولة بـ 76.6 مليار درهم في سنة واحدة، مما يثبت أن الاقتصاد المغربي لا يزال “مدمن سيولة”.
لماذا يرفض المغاربة التخلي عن “الأوراق النقدية”؟
يرى خبراء ماليون مغاربة أن هناك أسبابا تتجاوز التضخم أو النمو الاقتصادي:
أزمة الثقة و”الخوف” الضريبي: تلعب “الإشعارات للغير الحائز” (ATD) دورا كبيرا في تنفير الناس من البنوك.
فالخوف من حجز الحسابات البنكية بسبب نزاعات ضريبية أو تجارية يدفع الكثيرين للاحتفاظ بأموالهم “تحت الوسادة”.
“قدسية الكاش”: هناك بعد سوسيولوجي وأنثروبولوجي يربط بين الأمان الشخصي وامتلاك المال في اليد.
الاقتصاد غير المهيكل: لا يزال القطاع غير المهيكل يمثل ركيزة في المعاملات، حيث يفضل التجار والزبائن غياب “الأثر الرقمي” لتجنب الملاحقات الضريبية.
هيمنة ورقة 200 درهم: تمثل فئة 200 درهم وحدها 75% من قيمة الكاش المتداول، مما يؤكد استخدامها كأداة للادخار (الكنز) أكثر منها للتداول اليومي.
التبعات: البنوك تحت ضغط “نقص السيولة”:
هذا “الهروب الجماعي” نحو “الكاش” يضع الأبناك المغربية في مأزق حقيقي:
نقص السيولة البنكية: بلغ عجز السيولة لدى البنوك حوالي 135.7 مليار درهم في نهاية 2025.
تدخل بنك المغرب: يضطر البنك المركزي لضخ سيولة ضخمة (وصلت إلى 154.5 مليار درهم) لمساعدة البنوك على تلبية طلبات السحب وتمويل الاقتصاد، مما يرفع من تكلفة التمويل البنكي.
هل الحل في “الدرهم الإلكتروني”؟
يحذر الخبراء من الحلول المتسرعة،حسب صحيفة “لو 360” ،فإدخال “الدرهم الإلكتروني” أو تغيير الأوراق النقدية بشكل فجائي قد يؤدي إلى صدمات اقتصادية واجتماعية.
التدرج: الحل يكمن في تعزيز الثقة بين المواطن والإدارة، وعقلنة استخدام الحجز على الحسابات (ATD).
الرهان على الشباب: التعويل على الأجيال الجديدة التي تتبنى الوسائل الرقمية بشكل طبيعي هو السبيل الوحيد لتقليص هيمنة الكاش على المدى الطويل.
و تثبت أرقام 2025 أن المغرب لا يزال بعيدا عن “مجتمع بلا كاش”. فبينما تتطور التكنولوجيا، تظل “الثقة” هي المحرك الحقيقي للاقتصاد.
وطالما ظلت الهواجس الضريبية والقناعات الثقافية قائمة، سيظل الكاش هو “الزعيم” المتوج في الأسواق المغربية، مخلفا وراءه نظاماً بنكيا يلهث لتغطية العجز.