ليالي الوتر في تطوان :وَهْج الإيمان في مِحراب التهليل

هالة انفو. بقلم عبد العزيز حيون

ما إن تُطِل العشر الأواخر من رمضان بظلالها القدسية، حتى تلبس مدينة تطوان ثوبا من النور لا يشبهه إلا بياض شكلها وروح أهلها ، و تتحول ليالي الوتر إلى معراجٍ للأرواح، حيث يمتزج عبير البخور المتصاعد من الزوايا والمساجد بصدى التراتيل التي تحفظها الذاكرة منذ قرون.
ليست “ليالي الوتر” في تطوان مجرد زَمَن ينقضي، بل هي حالة من الوجد الصوفي والانصهار الإيماني، فما بين “محراب التهليل” الذي يرتجّ بجلال الذكر، وبين خشوع المتهجدين في مساجد المدينة يُرسم مَشْهد مهيب يختزل هوية المدينة وأصالتها.
في مدينة تطوان ، يتحول الصمت إلى تسبيح، والليل إلى ضياء، حيث يركض الجميع نحو تلك “النفحة الربانية” التي قد تغير مجرى العمر في ليلة هي خير من ألف شهر.
وتستنشق مدينة تطوان عبير الإيمان في لياليها الوترية،حيث يحيي أهل المدينة “وهج اليقين” في محاريب الذكر والتهليل ،كيف لا وتطوان تُعد الحارسة الوفية لتقاليد المغرب العريقة التي لم تزدها السنون إلا رسوخا وثباتا ، وفي هذا السياق تبرز “طقوس التهليل” في العشر الأواخر من الشهر الفضيل ، حيث تلبس مآذن تطوان حُلة روحانية خاصة وبمآذنها تُرتفع الأصوات الشجية بـ “تهليلات” تكسر صمت الليل الساكن، معلنة عن اقتراب ليلة القدر وعن حزن القلوب لفراق أيام الصيام.
وهي لحظات يمتزج فيها الشوق بالخشوع، وتتحول فيها أحياء وشوارع ودروب و أزقة المدينة برُمتها إلى ممرات من النور، تجسد وفاء الذاكرة التطوانية لإرث صوفي وروحي فريد لا يزال يقاوم الحداثة بجماله وتفرده.
وتنفرد مدينة تطوان بتقليد ديني وصوتي خاص جدا خلال شهر رمضان، وهو مزيج بين الإرث الأصيل و التقاليد الصوفية التي احتضنتها لقرون مساجد المدينة وزواياها ،وتزداد هذه الطقوس كثافة وجمالا في الأيام الوترية (الليالي الفردية) من العشر الأواخر، لما لها من قدسية مرتبطة بليلة القدر.
وخلال الليالي الوترية، لا يقتصر الأمر على النداء العادي للصلاة ، بل يبدأ المؤذنون والمُسمعون في صوامع المساجد الكبرى خاصة برفع أصواتهم بالتهليل ،الذي يتميز بالنغمة المغربية الرزينة ،و غالبا على طبوع سجية مثل “الرصد” ، التي تُعَبر عن الوَجْد والشوق والتهلل والشجن.
ويردد المؤذنون عبارات مثل “لا إله إلا الله” و”يا حنّان يا منّان” بصوت رخيم يملأ فضاء المدينة كلها ، لتنبيه الناس للسحور والقيام والتهجد ،السنة النبوية المؤكدة التي تشمل الصلاة، وقراءة القرآن، والذكر.
و الأذان في تطوان، وخاصة في رمضان، يتبع قواعد صارمة في المقامات ، فأذان المغرب يُرفع عادة بنبرة فيها استبشار وفرح بكسر الصيام ،و أذان العشاء والفجر في الأيام الوترية يَميل فيه المؤذنون إلى “الإطالة” قليلا في الجمل اللحنية مع استخدام “الإستخبار” ( نوع من الارتجال المقامي قبل أو أثناء الأذان) لإضفاء جو من الخشوع والرهبة يتناسب مع العشر الأواخر ،الأيام الفاضلة المباركة والسالمة من الشياطين والأذى.
و “الغـيْـطة” و”النفار” ،وإن كانت مجرد آلات موسيقية تقليدية ، إلا أنها تعد جزءا لا يتجزأ من “إعلان” الشعائر الدينية في مدينة تطوان ،ففي الليالي الوترية، وبعد صلاة التراويح، عادة ما يطوف “النفار” في الدروب الملتوية للمدينة العتيقة، وتكون نغماته أكثر تعقيدا في هذه الليالي، كنوع من الاحتفاء بوداع الشهر وتكريم الليالي المباركة.
كما دأب أهل تطوان على قراءة “الحزب” والدعاء الجماعي بعد صلاة التراويح في الأيام الوترية، و تجتمع الجماعة في المساجد أو الزوايا للقيام بما يعرف بـ “اللطيف” أو قراءة أجزاء من القرآن جماعة ، وهو ما يعطي للمدينة صوتا روحيا مُوحدا يخرج من مآذن المساجد وأبوابها الفسيحة في وقت واحد.
و مع اقتراب نهاية الوتر الأخير، يتحول التهليل إلى ما يشبه “التوديع”، حيث تضاف عبارات “حزينة” على فراق الشهر الفضيل مثل: “الوداع يا شهر رمضان، الوداع يا شهر الغفران”، وتؤدى بألحان تثير الشجن، وهو تقليد أندلسي خالص حافظت عليه تطوان بدقة متناهية وبافتخار .
و هكذا تمضي ليالي الوتر في تطوان، لا كأرقام في تقويم زمن الشهر الفضيل ، بل كتراتيل سماوية تُنقَش في ذاكرة المدينة المُتسامحة مع تاريخها الناصع ،إنها اللحظات التي يتعانق فيها عبق البخور مع صدى التهليل، لتظل المدينة وفية لعهودها الروحية، ومحرابا يتوهج بنور الإيمان في انتظار فجر جديد يحمل معه بركات ليلة هي خير من ألف شهر .

error: Content is protected !!