رمضان تطوان ..حين يُصبح “القياس” و”التاويل” وعدم هدر الطعام عبادة والرقي في البساطة

هالة انفو. بقلم :عبد العزيز حيون

تطوان،التي تغفو على سفوح جبل درسة، لا تستقبل رمضان كأي مدينة أخرى، فهي لا تكتفي بالصيام والقيام، بل تُحول الشهر الفضيل إلى “سلوك جمالي متناسق ومترابط” مكتمل الأركان، دينيا واجتماعيا وإنسانيا.
في هذه المدينة الأصيلة وبين جدران بيوتها المسكونة بعبق الأصالة ، يبرز “القياس” و هو لا يعدو مُجرد انضباط وسلوك في المأكل والملبس والمواعيد بل فلسفة حياة ترفض العشوائية و يمتزج فيها أيضا “التاويل” بين التدبير المحكم والذوق الرفيع، فيتحول في رمضان حتى يكاد يصبح من أرقى مراتب العبادة ويتجلى في مائدة مرتبة بعناية حتى ولو لم تكن دسمة .
في رمضان تطوان، يكتشف المرء أن الرقي الحقيقي يكمن في البساطة، بساطة لا تعني الزهد في الجمال والكم المسرف، بل تعني تهذيب النفس لترى في “التقليل” وفرة، وفي “التفاصيل الصغيرة” معانٍ كبرى. هو شهر تتوحد فيه القلوب قبل الأجساد، لتثبت أن التدين في هذه المدينة الرائعة هو فن العيش برُقي، والتقرب إلى الخالق بجمال الروح و حُسن الأخلاق والتدبير الذكي والرفيع والمُترفع .
و فلسفة أهل تطوان في التعامل مع طعام رمضان تتجاوز مجرد “توفير المال” لتصبح طقسا أخلاقيا واجتماعيا يُعرف بـ “التاويل “.
ومن أهم ملامح هذه الفلسفة التطوانية في تدبير مائدة رمضان قاعدة “القياس” (أي الدقة في التحضير).. و يؤمن التطوانيون بمبدأ “العين شبعانة قبل الكرش” ،و التدبير الحقيقي للحياة يبدأ من المطبخ قبل الوصول للمائدة ،بحيث يتم التحضير المسبق بكميات محسوبة تكفي ما هو مطلوب .
ويحرص أهل تطوان على تنويع المأكول بلا إسراف و الكميات تكون قليلة ،والغرض والمراد هنا هو تذوق كل شيء دون الشبع من صنف واحد ،كما أنه في تطوان، لا يُرمى الطعام الذي لم يُمْسَس، بل يُعاد ابتكاره بذكاء و يسخر كقاعدة لبعض الأطباق التقليدية.
والفلسفة التطوانية تعتبر أن الطعام الزائد ،وليس البائت ، هو رِزقٌ ساقه الله لجار أو محتاج ،و لا تزال عادة تبادل الأطباق قبل الأذان قائمة (“التذْويقة” كما يسميها أهل تطوان)، مما يضمن توزيع الفائض بشكل طبيعي وتلقائي قبل أن يُصبح مُجرد “بقايا”.
كما يحرص التطوانيون بشدة على عدم خلط بقايا الطعام بالنفايات ،وتُجمع بقايا الخُبز والكُسكس مثلا بشكل منفصل لتقديمها للدواب والطيور، تقديرا ل”نعمة الله “.
ويركز أهل تطوان على طريقة التقديم أكثر من كمية الطعام ،فالمائدة المُزينة والمناديل المطرزة تعطي شعورا بالوفرة والامتلاء النفسي، مما يُقلل من الرغبة في تكديس الأطباق الكبيرة التي تنتهي غالبا في سُلة المهملات ،ولا تفيد لا صاحب الدار ولا غيره من المحتاجين ،كما أن الحفاظ على النعمة تعتبر تحديا يوميا ،عملا بتعاليم ديننا الحنيف التي هي منهاج حياة شامل لبناء مجتمع فاضل.
والمرأة التطوانية تُتقن “التاويل” و تعرف كيف تملأ المائدة بأصناف متنوعة دون الحاجة لملء الصحون بكميات مبالغ فيها، مما يقلل الفائض بشكل طبيعي بلمسات فنية تبدعها أنامل موهوبة .
وفي الزمن الحاضر ، بدأت جمعيات محلية في تطوان تتبنى مبادرات لجمع فائض الطعام وتوزيعها بشكل لائق ومُنظم ،كما أن هناك وعيا متزايدا بضرورة العودة إلى “زمن التاويل الحقيقي” الذي يَذُم التباهي والمبالغة ويقدس الاقتصاد والبركة..، وهي عملية تتم بكثير من السرية والوقار سِتْرا للناس واحتراما لشعورهم وخصوصياتهم.
وبالتالي ،رمضان في تطوان ليس مجرد شعيرة دينية تمر بها الأيام، بل هو تجلٍّ حيّ لمفهوم “الرقي في البساطة”، حيث تغدو التفاصيل اليومية من لباس وطبخ ومعاملات عبادة صامتة تتوسل بالجمال.
وطقوس تطوان وإبداعهم في فن العيش ، دعوة للعودة إلى الجوهر، حيث البساطة هي قمة الأناقة، وحيث يُثبت الإنسان التطواني أن الحفاظ على الهوية ليس جمودا، بل هو فنّ العيش برُقيّ يستمد نوره من صفاء الروح وعراقة التاريخ .
ومدينة تطوان لم تَبِع بساطتها لزيف الحداثة، بل جعلت من تلك البساطة معراجا للرقي ونهجا للعبادة، ليبقى رمضانها درسا متجددا في كيف يكون الجمال تقوى، وكيف تكون البساطة فخرا .

error: Content is protected !!