“دار الطير” بتطوان: حيث تَحُط الذاكرة المعمارية و الرمزية أوزارها
هالة انفو. بقلم :عبد العزيز حيون
تتميز مدينة تطوان بنسيجها العمراني الفريد الذي يروي ، بفخر وشموخ واعتزاز بالهوية ،فصولا من التاريخ والتلاقح الثقافي والتعايش الإنساني .
ومن بين المعالم المعمارية التي تقف شاهدة على هذا التمازج الاستثنائي وتختزل قيم الإنسانية والرحلة المعمارية المتألقة لحضارة المدينة ولها لمسة أنتروبولوجية خاصة ، تبرز بناية “دار الطير” (أو ما يُعرف تاريخيا بEdificio Fénix).
هذه البناية الأيقونة تتجاوز كونها كتلة شامخة في السماء من الخرسانة والحجر، الى كونها بناية ذات رمزية معمارية مرجعية تقف في البرزخ الفاصل والواصل في آن واحد بين عالمين: المدينة العتيقة المصنفة تراثا عالميا من قبل منظمة اليونيسكو سنة 1997، والحي الحديث Ensanche .
وتقع بناية “دار الطير” في موقع استراتيجي وسط مدينة تطوان لا تتوارى عن الأنظار أبدا، وتحديدا بساحة الجلاء ،عند بداية شارع محمد الخامس وعلى بعد أمتار قليلة من ساحة المشور السعيد ، وهي تطل على حي “الطرنكات” شمالا و على جبل “غرغيز” جنوبا.
هذا الموقع يجعل من “دار الطير” “بوابة” بصرية ومجالية تمزج ببراعة بين القديم والحديث وبين المعمار العربي الأصيل والأندلسي الجديد وبين البناء والطبيعة ،وهي تطل على الأزقة الضيقة والشوارع البيضاء الشاسعة بإرث ممزوج بحبكة تعميرية قد لا نجدها حاليا إلا لِماما ، فمثل هذه العمائر الاستثنائية التي تجمع بين جيلين متباعدين هي نادرة جدا ولا تتكرر إلا قليلا وكأن تاريخ الإبداع الهندسي وقف دون حراك.
و هذه البناية التي نتمناها خالدة لأنها تروي جزء من تاريخ تعمير تطوان الحسن والبَهِي ،تفتح ذراعيها للشوارع الفسيحة، الهندسة الكولونيالية، والخطوط المستقيمة للحي الحديث الذي بُني إبان فترة الحماية الإسبانية ولا تنسى إطلالتها البهية على المدينة العتيقة .
لقد صُممت البناية لتكون بمثابة “المفصل المعماري” ، الذي يضمن انتقالا سلسًا وذكيا وبصريا غير مشوه للمارين بين تاريخين وثقافتين وتصورين معماريين .
و تستمد البناية اسمها الشعبي “دار الطير” من المنحوتة الشهيرة التي تعلوها (طائر الفينيق أو العنقاء يحمل شخصا على ظهره)، وهو شعار شركة تأمينات إسبانية شهيرة “La Unión y el Fénix” التي شيدت المبنى.
هذا الرمز ،رغم خلفيته التجارية القديمة نسبيا ، يحمل في طياته دلالات عميقة تناسب سياق تطوان ..فطائر الفينيق الذي يرمز للخلود والتجديد في البعد الأسطوري الإغريقي ،يرمز عند أهل تطوان إلى قدرة الحاضرة على تجديد نفسها واستيعاب التحولات السوسيواقتصادية والسياسية عبر العصور دون أن تفقد هويتها.
و في بعدها المعماري تسجد البناية أسلوب “النيو-موريسكي” (Neo-Mudéjar) أو العمارة الانتقالية، حيث تم دمج تقنيات البناء الأوروبية “الحديثة” مع لمسات زخرفية مستوحاة من الفن الإسلامي والأندلسي (كالأقواس والشرفات).
هذا المزيج جعل التحفة المعمارية تبدو كجزء لا يتجزأ من تراث المدينة “القديم” ، وليس جسما غريبا عنها ولا يشوه أبدا رونق المدينة كما هو الحال حاليا في بعض الأحياء التي تتناسل فيها بنايات بشكل لا يليق بتاريخ ولا بجمالية ولا بهوية مدينة لم تُسَم اعتباطا ب”الحمامة البيضاء”.
وبناية “دار الطير” ،التي شيدت سنة 1944 ، تحولت مع مرور السنوات إلى مركز ثقل اجتماعي ، بفضل مساحتها الشاسعة وهندستها الممتدة وموقعها الاستراتيجي ، و شكلت البناية نقطة علام (Landmark) من السهل رؤيتها والتعرف عليها عن بعد ،و يستعين بها سكان المدينة وزوارها لتحديد الاتجاهات وضبط التموقع بشكل سلس .
و تتفرد البناية بضخامتها وامتدادها الأفقي والعمودي المدروس، حيث احترمت الارتفاعات السائدة في المدينة لكي لا تحجب الرؤية أو تشوه “خط الأفق” (Skyline) الخاص بتطوان ..فواجهتها الدائرية أو المنحنية تمنح شعورا بالانسيابية، وكأنها توجه حركة المرور والراجلين بلطف من عبق التاريخ في المدينة العتيقة إلى صخب العصرنة في حي “الإنشانتشي”.
وهكذا، تحلق بنا “دار الطير ” بعيدا في سماء الذاكرة التطوانية، لتثبت أن العمارة الحقيقية هي تلك التي تسكنها الأفكار وتغذيها العواطف الإنسانية لا التي تغلفها الأغراض التجارية الآنية فقط .
و بين الأمس واليوم، تبقى هذه البناية أيقونة معمارية تختزل قيم التعايش والجمال، وتذكرنا بأن الحجارة قد تشيخ، لكن الرموز الثقافية والتاريخية التي تحملها تظل شابة ومحلقة، تماما كأجنحة الطيور التي ألهمت اسمها، لتظل تروي للوافدين والأجيال الصاعدة قصة مدينة لم تُفرط يوما في أصالتها .