تُعد الصدقة المستورة (أو صدقة السر) من أبهى صور التكافل الاجتماعي في مدينة تطوان، خصوصا خلال شهر رمضان المبارك.
ويرتبط هذا الفعل الديني /الإنساني بمفاهيم “الحشمة” و”الوقار” و”التقدير” ،التي تميز أهل المدينة الأصيلة ، حيث يَحْرص المُتصدق على عدم إحراج المتلقي ، عبر سلوك أخلاقي واجتماعي خالص لله يتطلع فيه المُتصدق الى طلب أجر الله وتجنب الرياء .
ومنذ القِدم حرصت العائلات التطوانية أن ترسل سلالا أو قُفَفا مغطاة بثوب أبيض تحتوي على أساسيات رمضان ،من دقيق وزيت وتمر وسكر وقطنيات وفواكه جافة وما الى ذلك من ضروريات شهر رمضان.
وجرت العادة النبيلة والمُعبرة أن يتم إرسال “الصدقة المستورة” مع طفل أو يافع لتربيته على العطاء والسخاء أو وضعها أمام باب المُحتاج في وقت يقل فيه المارة (قبيل آذان المغرب أو بعد صلاة التراويح).
كما حرصت العائلات التطوانية ، سواء الغنية أو المتوسطة الحال، تسديد ديون “الدفتر” (الحانوت)،وهي إلتفاتة إنسانية تعتبر من أرقى أنواع الصدقة المستورة في أحياء المدينة العتيقة أو الشعبية ،ويتوجه المُحسن إلى صاحب “الحانوت” ويطلب منه دفتر “القرض” ليقوم بتسديد الديون المتراكمة على الأرامل أو الأسر المُتعففة دون ذكر اسمه، ودون أن يعلم المُستفيد من قام بذلك.
و تتميز الأحياء التطوانية بتبادل أطباق الحلويات والمأكولات المرتبطة بطقوس رمضان ،وفي حالة الأسر المُتعففة، يتم تقديم الأطباق وكأنها مجرد “تذويقة”، لكنها في الحقيقة تكون وجبة كاملة ومتكاملة مخصصة لسد حاجة تلك الأسرة بكرامة ،إما بشكل يومي أو باسترسال عبر فترات .
ومن العادات الطيبة التي دأب عليها أهل تطوان أن يضع المُتصدق المال في “البلغة” أو الأحذية في المساجد .. ويتبع البعض أسلوبا لطيفا بوضع مبالغ مالية داخل أحذية الأشخاص الذين يبدو عليهم العوز من ساكنة الحي وهم يصلون ، بحيث يجد المصلي “البركة” في حذائه عند خروجه دون أن يعرف المصدر.
وفي زمننا هذا انتشرت ما يُعرف ب”الصدقة الرقمية” ومبادرات “الجمعيات الوسيطة” التي تقوم بدور المُتصدق “المستور” ،ويتم جمع التبرعات وتوزيع “قفة رمضان” في وقت متأخر من الليل خِفية وكُتمانا لضمان الإخلاص وحفظ كرامة المُحتاج .
ويتم التركيز على “الأسر المُتعففة” (التي لا تسأل الناس إلحافا) بناء على معرفة دقيقة بأحوال سكان الحي ،وقد يساعد في هذا الأمر أعوان السلطة والأئمة والقيمون على المساجد والتجار وأصحاب الأفران التقليدية والحمامات .
و يغلب على أهل تطوان في رمضان قول عبارة “هذا رْزَق ربي صَيْفطو ليك” (هذا رزق أرسله الله لك) لرفع أي حرج عن المحتاج وجعل المنة لله وحده وهو مصدر جميع النعم والفضل والإحسان .
كما أن الصدقة في رمضان بمدينة تطوان لها طعم خاص، وحين تكون في “الأقربين” فهي تجمع بين أجر الصدقة وأجر صلة الرحم ،عملا النبي ﷺ: “الصَّدقةُ على المِسكينِ صدقةٌ، وهيَ على ذي الرَّحمِ اثنتانِ: صدقةٌ وصِلةٌ”.
واعتبرت العائلات التطوانية الأصيلة أن البدء بالأهل والجيران والمقربين هو إحياء لسنة نبوية وتقليد أصيل تتوارثه كل الأجيال في الأسر المغربية الأصيلة .
والحمد لله أن تقليد مساعدة الأقرباء في رمضان وفي باقي شهور السنة قائم ويتجلى في طرق “خلاقة” و”مبتكرة ” تلائم تطور المجتمع ،من خلال مثلا دفع فواتير الماء والكهرباء في ظل الغلاء لقريب مُتعثر ،ما يُعد من أعظم القربات التي تزيح عنه هَما كبيرا.
كما يتجلى هذا التقليد النبيل من خلال إدخال الفرحة على أطفال العائلة المحتاجين بشراء ملابس العيد ورفع الحرج عن والديهم ،كما تتم هذه العادة النبيلة عبر “العْراطة” ( الدعوة كما تنطق عند أهل تطوان)،وهي ليست مُجرد إطعام ، بل هي تطييب خاطر بدعوة الأقارب المُتعففين لمائدة الإفطار بكرامة واحترام ،تعزز الروابط الأسرية وفي الوقت ذاته ترفع الحرج عن القريب الذي له ذائقة مالية .
وتعطي عادات وتقاليد أهل تطوان الدليل على أن مقولة “الأقربون أولى بالمعروف” ليست مجرد كلام ، بل هي منهج يُحقق التكافل الاجتماعي الحقيقي داخل المدينة وضواحيها ،كما تعطي الدليل على أن الأعمال الصالحة والخير باق في أمتنا الى يوم القيامة .