الارتفاع المُهول لأسعار الخضر والفواكه والأسماك في شهر رمضان يعد “دراما” حقيقية تتكرر سنويا ،وهي قضية معقدة تتداخل فيها عوامل اقتصادية، سلوكية، ولوجستية وتنظيمية .
و المسؤولية هنا لا تقع على عاتق جهة واحدة، بل هي مسؤولية مشتركة تتوزع بين لجان المراقبة والوسطاء الذين يكثرون في هذا الشهر الفضيل ،و الباعة وشلة المحتكرين.
فهناك الوسطاء والمضاربون ،الذين يعتبرون حلقة الوصل المفقودة ولهم الوزر الكبير في غلاء المعروض للبيع والتسبب في ارتفاع الأسعار دون وجه حق في أحيان كثيرة تثقل كاهل المستهلك .
و يرى العارفون بشؤون الأسواق أن “السماسرة” أو الوسطاء هم المتهم الأول ،خاصة مع تعدد الوساطات والوسطاء ،بحيث ينتقل المنتوج من الفلاح إلى تاجر الجملة ثم “نصف الجملة” وصولا لتاجر التقسيط .. و في كل مرحلة، يرتفع السعر بشكل غير مبرر ، دون أن نغفل قيام بعض كبار التجار بتخزين السلع لتقليل العرض ورفع الثمن مع زيادة الطلب الرمضاني دون أن يكون لهم وازع ديني و لا أخلاقي ،حيث تسود الأنانية ويتحول الأفراد إلى كائنات تبريرية تسعى فقط لإشباع غرائزها دون ذمة أو عهد، مما ينشر الخبث والمكر في المجتمع.
وأمام هذه التلاعبات والاحتكار المقصود ،الذي يسائل ضمائر الكثيرين ،تتحمل لجان المراقبة المسؤولية من جانب التنظيم والزجر وتطبيق القانون .
فعلى الجهات المسؤولة واللجن المشتركة ضبط الأسواق بشكل يومي وزجر المخالفين ، فَضُعف المراقبة على الأسعار في أسواق التقسيط يسمح لتجار بفرض أثمنة “مزاجية” بهوامش ربح غير معقولة .
وفي بعض الأحيان، يتم تفضيل تصدير المنتجات للخارج لضمان العملة الصعبة على حساب كفاية السوق الداخلي، مما يُقلل العرض ويرفع الثمن محليا ،خاصة مع تطور الصادرات المغربية نحو بلدان أفريقية كثيرة لم تكن تندرج ضمن الخريطة التجارية الدولية للمغرب.
كما لا يجب أن نغفل السلوك الاستهلاكي للمواطنين العاديين، فبقدر ما هو ضحية، يُساهم المستهلك في أحيان كثيرة في تفاقم أزمة “الأسعار” في شهر رمضان على وجه التحديد.
فاللهفة والتهافت والإقبال المُفرط على شراء كميات تفوق الحاجة في الأيام الأولى من رمضان وقبل اختتامه يخلق ضغطا هائلا على العرض، فكلما زاد الطلب بشكل مفاجئ وجنوني، ارتفع السعر تلقائيا ،حسب أبسط قواعد الاقتصاد.
ولا يجب أن ننسى العوامل الطبيعية واللوجستية التي لها أيضا تأثير مباشر على ارتفاع الأسعار ، وهي عوامل قد تكون خارجة عن إرادة الجميع ،ومنها خاصة تداعيات الظروف الجوية التي أثرت على المنتوج الزراعي الوطني ، التي تنضاف الى تكاليف الإنتاج والنقل وارتفاع أسعار المحروقات و الأسمدة و البذور .
وما نستخلصه من واقعنا المعيش خلال رمضان هو أن المسؤولية تتوزع بين جشع الوسطاء و المحتكرين ، و ضعف المراقبة الصارمة أو أنها مرتبطة بمواسم محددة ، وثقافة الاستهلاك التي تحتاج إلى ترشيد ذاتي ومجتمعي .
مع العلم أنه غالبا ما تنخفض الأسعار تدريجيا بعد الأسبوع الأول من رمضان حين يستقر الطلب وتعود وتيرة التموين إلى طبيعتها ، وهو ما نتمناه لإعادة التوازن لسوق الاستهلاك وحماية القدرة الشرائية للمواطن البسيط.