بين الواقع والخيال:سيرة “المجذوب” بتطوان و ذاكرة أهلها

هالة انفو. بقلم :عبد العزيز حيون

تُعد شخصية الشيخ ” سيدي عبد الرحمن المجذوب” من بين أكثر الشخصيات إثارة للجدل والفضول في الموروث الشعبي المغربي، حيث تجاوزت شهرته حدود الزمان لتستقر في الوجدان الجماعي عبر “رباعيات” تلخص حِكَما فلسفية واجتماعية بليغة ومُعبرة مست البعض منها مدينة تطوان .
ففي شمال المغرب، وتحديدا في مدينة تطوان، يكتسي حضور “المجذوب” طابعا خاصا يَمْزج بين التبرك الصوفي والذاكرة التاريخية ،وبين الحقيقة التاريخية والذاكرة الشعبية والتمثلات.. ولازالت بعض الأقوال تتردد على المسامع باسم هذا الشيخ ،القطب الصوفي الذي جاب الآفاق ، مسجلا برباعياته تفاصيل التحولات الاجتماعية في عصره.
لكن حضور ” المجذوب” في تطوان يتجاوز مجرد الاقتباس، ليتحول إلى علاقة جدلية تثير تساؤلات عميقة حول المسافة الفاصلة بين الواقع التاريخي وبين ما نسجَه الخيال الشعبي من أساطير ،خاصة وأن صورة “المجذوب” ارتبطت في الوعي التطواني بأقوال وُصفت بالدقة تارة وبالقسوة تارة أخرى، حيث يُقال إنه خصَّ المدينة بكلمات تصف طبائع أهلها وعمرانها وتقلبات أحوالها.
ومع ذلك، يطرح الباحثون في التراث أسئلة جوهرية: هل فعلا وطِئت قدما “صاحب الرباعيات” أرض تطوان خلال رحلاته في القرن السادس عشر..؟ ، أم أن نسْب هذه الأقوال إليه كان وسيلة لشرعنة بعض الأحكام الاجتماعية والقيم الثقافية التي تبلورت في المدينة عبر العصور؟..
ويسعى هذا المقال الى رصد جزء من ملامح الوجود المعنوي للمجذوب في الثقافة التطوانية، واستعراض بعض أشهر الأمثال المنسوبة إليه حول المدينة، مع إخضاعها لميزان النقد التاريخي واللغوي للتمييز بين جوهر الحكمة المجذوبية الأصيلة وبين ما ألحقته بها الذاكرة الشفوية المحلية غير المضبوطة علميا .
ولا يشك أحد أن حضور “سيدي عبد الرحمن المجذوب” في مدينة تطوان يُشَكل فصلا مُعَينا في الذاكرة الشعبية والتاريخية للمدينة حتى مع عدم وجود إثباتات تؤكد أنه أقام وقطن بالمدينة الشمالية ، حيث ارتبطت شخصيته بالتصوف، والزهد، والقول المأثور الذي يتناقله المغاربة حتى اليوم ،ومنها الصحيح ومنها غير ذلك .
ويُقال إن الشيخ عبد الرحمن المجذوب انتقل إلى تطوان في القرن السادس عشر ميلادي (القرن العاشر هجري) ،ولم يكن مجيئ هذه الشخصية “الأسطورية” سوى زيارة عابرة، وإنما كان بحْثا عن السكينة ونشْرا لمنهجه الصوفي القائم على الاستغراق الروحي.
وأشار البعض الى أن “المجذوب” استقر في البداية بمنطقة قريبة من أسوار المدينة القديمة لتطوان ، ويُروى أنه كان يتردد على المساجد والزوايا، لكنه كان يُفَضل في أحيان كثيرة العُزْلة في أماكن مُعينة للتأمل.
ويُذكر كذلك في التراث التطواني أن للشيخ “خُلوة” أو مكانا كان يتعبد فيه، وصار لاحقا مَقْصدا للتبرك من قبل المريدين ،وهو أمر لا يؤكده الواقع حاليا ولم يثبت تواجد ضريح أو مقبرة في المدينة لها ارتباط باسمه وزهده وطريقة تصوفه .
وهناك من يقول إن إقامته في تطوان اشتهرت بالكثير من “الكرامات” والمواقف التي تعكس ذكاءه وحكمته المغلفة بالبساطة، كما يقال إنه كان يلقي بأقوال مسجوعة (الرباعيات) في أسواق تطوان، وكانت تحمل في طياتها تحذيرات أو بشارات لأهل المدينة حول أحداث سياسية أو اجتماعية قادمة ،وهو ما لم تؤكده أيضا البحوث العلمية الرزينة.
كما أن هناك من يقول ،استنادا الى روايات شفهية ، إنه لم يكن يعيش بمعزل عن المجتمع،بل كان يُخالط العامة والفقراء، وكان كلامه اللاذع أحيانا يوجه لنقد الظلم أو الغرور ، وامتزجت “حكمته بالطابع الأندلسي” للمدينة، فكان يقول مثلا عن الدنيا وتقلباتها:”يا صاحب الوعد كحل عيونك.. لابد من الفراق مهما طال زمانك” .
وسواء أكانت رواية المجذوب حقيقية أم غير حقيقية ،لا يزال اسم سيدي عبد الرحمن المجذوب حاضرا في جغرافية تطوان الروحية،ورغم أن ضريحه الشهير يقع في مدينة مكناس، إلا أن بعض أهل تطوان يعتبرون “مقامه” في مدينتهم “مقاما روحيا له قدسية خاصة” ،حتى ولو كان ذلك معنويا .
والكثير من “الأزجال” و”الرباعيات” تُنسب للمجذوب بالتوارث الشفهي، إلا أن الباحثين في تراثه يشيرون إلى أن بعض العبارات قد تكون أُقحمت عليه أو قيلت في سياق تاريخي محدد جدا لا يعكس رأيه العام في مدينة تطوان أو أهلها ،كما هو الشأن بخصوص مقولة “هْواها سم وماها دم ..والصاحب ما يكون من تم ..” ، في الوقت الذي عُرف المجذوب بتجواله في المغرب، وله أقوال في مدن عديدة قد تعكس حالتها في زمنه (القرن العاشر الهجري).
و تتناسل عدة تفسيرات لهذه المقولة إذا ما افترضنا صحة صدورها عنه، فيُفَسر البعض “هواها سم” بالإشارة إلى ريح “الشرقي” (الرياح القوية التي تهب على المدينة وتؤثر على المزاج أو الصحة أحيانا)، و”ماها دم” لقوة تدفق مياهها من العيون ، أو لصعوبة طبيعتها الجبلية ،وقد قيلت في زمن كانت فيه تطوان ثغرا للمجاهدين ومركزا للصراع مع البرتغاليين والإسبان، فكان هواها “مسموما” على الأعداء، وماها “دم” لكثرة المعارك التي خيضت حولها وفي أوديتها، والله أعلم .
وبخصوص “الطبع الإنساني ” لأهل تطوان ،يذهب تأويل آخر إلى أن القصد هو “صعوبة مراس أهلها” أو اعتزازهم الشديد بأنفسهم، مما يجعل الغريب يجد صعوبة في التأقلم السريع معهم ..كما عرف أهل المدينة تاريخيا ب”الأنفة” و ب”التحفظ” تجاه الغرباء..فالمجتمع التطواني كان مجتمعا أندلسيا مُحافظا ومُنغلقا إلى حد ما، يعتز بتقاليده وعلاقاته العائلية المتشابكة، مما قد يجعل (الغريب) يشعر بنوع من الصعوبة في الاختلاط أو بناء صداقات عميقة بسرعة، فجاءت المقولة لتعبر عن هذا الانطباع.
وبين هذا وذاك هناك “رواية مضادة” ،إذ يرى البعض من المهتمين بالتاريخ الشعبي المحلي أن هذه المقولة لا تتناسب مع واقع المدينة التي عُرفت بأنها “حمامة البيضاء” ومركز للأدب والعلم والفقه ، والفن، و التقاليد العريقة والرفيعة ..كما يرى المهتمون أن العبارة حُرّفت من مدح إلى ذم، أو أنها قيلت في لحظة غضب عابرة لا تصلح كحُكم عام.
و أيضا ،المقولة موجودة في الذاكرة الشعبية وتُنسب للمجذوب، لكنها لا تُؤخذ كحقيقة جغرافية أو اجتماعية، بل هي جزء من “أدب التندر” بين المدن المغربية الذي كان شائعا في العصور الماضية ،و تُستخدم غالبا في سياق “المناقرة” بين المدن، لكنها لا تعكس الحقيقة التاريخية لمدينة عُرفت بكونها منارة للعلم والفقه والأدب والتعايش.
وفي الختام، يمكن الجزم بكون حضور “سيدي عبد الرحمن المجذوب” في تطوان لم يكن حضورا جسديا عابرا، بل كان حضورا فكريا و وُجدانيا تجلى في حِكمه التي لامست جوهر الشخصية المغربية عامة .
ولقد رسمت رباعياته ملامح كثير من المدن ،فجمعت بين التحذير من تقلبات الزمان والثناء على ذكاء وأناقة أهلها، لتظل أقواله ،إن كانت كلها صحيحة ، حية تنبض بها مدن مغربية مرجعية .

error: Content is protected !!