الجامور: التاج النحاسي الذي يُكَلل صوامع تطوان البيضاء
هالة انفو. بقلم :عبد العزيز حيون
تنفرد العمارة الإسلامية المغربية بخصائص هندسية وجمالية جعلت منها مدرسة قائمة بذاتها، ومن بين أبرز هذه الخصائص التي تُلفِت الأنظار وتُتَوج مآذن المساجد ما يسمى ب”الجامور”.
وإذا كانت المدن المغربية تشترك في هذا العنصر المعماري المتفرد للمغرب، فإن لمدينة تطوان، بخصوصيتها الأندلسية العريقة وموقعها الجغرافي ، حكاية هندسية وفنية فريدة تجعل من جوامير صوامعها تحفا تنطق بالتاريخ والتطور الحرفي وعبقرية الحرفي المغربي،وتعكس كذلك خصوصيات طقس المدينة و جغرافيتها .
ما هو الجامور؟
الجامور ،أو كما يعرفه بعض الفقهاء “صومعة الصومعة” ،هو العمود المعدني الرأسي المصنوع غالبا من النحاس الأصفر أو البرنز، والذي يخترق “القبيبة” (القبة الصغيرة) التي تشكل أعلى نقطة في الصومعة ،وتنتظم في هذا العمود ثلاث أو أربع كرات نحاسية مفرغة تتناقص أحجامها هندسيا كلما اتجهنا نحو الأعلى، وينتهي العمود في قمته برمح حاد، أو بشكل زهرة سوسن، أو هلال.
تاريخيا، لم تكن هذه الكرات مجرد زينة، بل كانت تُملأ أحيانا بـ “التبر” (مسحوق الذهب) أو الرمل الناعم لضبط توازن العمود ومقاومة الرياح.
ما هي الخصوصية الهندسية والجمالية للجامور في صوامع تطوان؟
تتميز صوامع تطوان العتيقة (مثل صومعة الجامع الكبير، جامع لوقش، وجامع سيدي علي بن ريسون ، وجامع القصبة،و جامع للا فريجة ..) ببنائها المنسجم الذي يمزج بين البساطة الموريسكية والزخرفة المغربية، ويأتي الجامور ليكون النقطة التي تلتقي فيها هذه الأبعاد، وتخضع أبعاد الجامور في تطوان لنسب رياضية صارمة ترتبط بارتفاع المنار (برج الصومعة) وعرضه.
فالكرات النحاسية لا توضع عشوائيا، بل تُصاغ بأقطار تتناقص وفق نسبة هندسية محددة تمنح الناظر من الأسفل شعورا ب”الامتداد اللانهائي نحو السماء”، وتخفف بصريا من “ثقل” الكتلة البنائية للصومعة.
كما تتميز مآذن تطوان إما بالبياض الناصع أو بكسوتها بالزليج التطواني التقليدي المعتمد على ألوان مميزة كالأخضر الفيروزي، الأزرق، والأبيض ،وعندما تسطع أشعة الشمس على الجامور النحاسي المصقول في قمة الصومعة، فإنه يعكس الضياء بطريقة تخلق تباينا رائعا مع ألوان الخزف والواجهات، مما يجعله بمثابة “منارة ضوئية” نهارية.
و نظرا للموقع الجغرافي لتطوان وقربها من البحر، تواجه المباني عادة رطوبة عالية ورياحا شرقية قوية (“الشرقي”) ،وهنا تبرز عبقرية الهندسة المغربية ،حيث كان حرفيو المدينة يصهرون النحاس بخلطات خاصة تمنحه مرونة ومقاومة للصدأ، ويتم تثبيت الجامور داخل الهيكل البنائي للصومعة بعمق يضمن امتصاص الهزات والرياح دون الإضرار بالبناء.
وللوقوف عند الرمزية الروحية والثقافية ،يجب التأكيد على أن الحجر والمعدن في العمارة المغربية لا ينفصل أبدا عن المعنى الروحي، وتتعدد القراءات حول رمزية كرات الجامور الثلاث في الثقافة المحلية ..
فبخصوص مراتب الدين ،يرى الكثير من المؤرخين والفقهاء أنها ترمز إلى المراتب الثلاث “الإسلام، الإيمان، والإحسان ” ،و الى العوالم الثلاثة أي الإشارة إلى “عالم الملك، وعالم الملكوت، وعالم الجبروت” .
فيما يمثل الرمح العلوي للجامور توجيه البصر والقلب نحو الأعلى، والدلالة على التوحيد ووحدة القبلة ،و الله أعلم .
وإن بقاء هذه الجوامير صامدة لقرون يعود إلى مهارة حرفيي النحاس في تطوان ، فقد توارثت عائلات تطوانية تقنية “الطرق التقليدي” على صفائح النحاس لتشكيل الكرات بدقة متناهية وبدون لحامات بارزة قد تضعف البنية المعمارية للقطع.
ويظل الجامور على صوامع تطوان حلقة الوصل بين الأرض والسماء، وبين وظيفية الهندسة المعمارية وروحانية الفن الإسلامي وفق نموذجه التطواني الأصيل..
ومن تم فإن الجامور ليس مجرد قطع نحاسية متراصة، بل هو التاج الذي يعلن هوية المدينة الأندلسية ويحفظ في قممها مهارة الصانع المغربي وأسرار الهندسة المتوارثة.
و يتبين كذلك أن “جامور” صوامع تطوان يتجاوز كونه عنصر إنشائي أو زخرفة تكميلية اعتلت قمم المآذن، الى كونه وثيقة بصرية حية تختزل عبقرية المعماري التطواني وتأثره العميق بالروافد الأندلسية والمغربية الأصيلة .
كما أن تلك الكرات المعدنية التي تتدرج صعودا نحو السماء، لا تعكس فقط تفردا هندسيا في الحجم، والمادة، والنسب، بل تحمل في طياتها رمزية روحية وثقافية جعلت من خط أفق مدينة تطوان لوحة فنية فريدة ..
ومن هنا، يصبح الحفاظ على هذه الخصوصيات المعمارية وتوثيقها ضرورة ملحة لحماية الهوية البصرية للمدينة العتيقة، لتبقى هذه الجوامر كما كانت دائما: شواهد صامتة على تاريخ حافل، وتيجان تروي للغادين والرائحين والذاهبين والعائدين قصة إبداع لا يمحوه الزمن.