مع حلول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة، يميل الكثيرون إلى تعديل جدولهم اليومي بشكل غير واعي، لا سيما فيما يتعلق بموعد وجبة العشاء.
فمع امتداد ساعات النهار وتأخر غروب الشمس، يفضل الكثير من الناس تأخير تناول العشاء للاستمتاع بالأمسيات الصيفية الطويلة مع العائلة والأصدقاء.
ومع ذلك، فإن هذا السلوك يحمل في طياته تبعات سلبية مباشرة على جودة النوم الفسيولوجية، إذ غالبا ما ينتهي الأمر بليلة مليئة بالقلق والتقلب في الفراش، واستيقاظ يصحبه شعور بالخمول والتعب البالغ.
ويرجع هذا الاضطراب إلى تضافر مجموعة من العوامل الحيوية والبيئية التي تؤثر على كفاءة الجسم ليلا.
الصراع الفسيولوجي بين الهضم وبداية النوم:
عند تناول الطعام، يوجه الجسم جزءا كبيراً من تدفقه الدموي نحو الجهاز الهضمي لإتمام عملية التمثيل الغذائي، مما يضع الجسم في حالة من التأهب الأيضي (Metabolic Alertness).
وتتعارض هذه الحالة تماما مع الاسترخاء العصبي والجسدي اللازم لولوج مرحلة النوم.
فإذا تم تناول العشاء في وقت متأخر والذهاب إلى الفراش مباشرة، يضطر الجسم إلى محاولة إدارة العمليتين معا في آن واحد، وهو ما ينعكس سلبا على عمق النوم وبنيته الفسيولوجية.
ويوصي خبراء الصحة بترك هامش زمني لا يقل عن ساعتين بين آخر لقيمة يتم تناولها وموعد النوم، لضمان إنهاء الجزء الأكبر والأعقد من عملية الهضم قبل الاستلقاء.
الوجبات الدسمة ورفع درجة حرارة الجسم الداخلية:
تتفاقم المشكلة عندما تشتمل وجبة العشاء المتأخرة على أطعمة دسمة غنية بالبروتينات والدهون.
و تتطلب هذه المغذيات طاقة وجهدا كبيرا من الجهاز الهضمي لتفكيكها، مما ينتج عنه ارتفاع ملموس في درجة حرارة الجسم الداخلية نتيجة للتأثير الحراري للغذاء.
وعند دمج هذا الارتفاع الحراري الداخلي مع حرارة الطقس الخارجي المرتفعة في فصل الصيف، تصبح البيئة الجسدية غير مهيأة تماما للنوم المريح.
لذا، يُنصح بالاعتماد على وجبات خفيفة ومنعشة في المساء، مثل الحساء البارد أو الدجاج المشوي مع السلطة، لتسريع عملية الهضم وتجنب الإجهاد الحراري الداخلي.
تأثير الكحول والكافيين على بنية النوم:
يرافق العشاء المتأخر في الصيف أحيانا استهلاك بعض المشروبات التي تحتوي على الكافيين أو الكحول.
وفي حين تعمل مشروبات معينة على تقطيع دورات النوم وحرمان الجسم من مرحلة النوم العميق والمستقر، يقوم الكافيين بحجب مستقبلات الأدمغة للأدينوسين، وهي المادة المسؤول تراكمها عن إرسال إشارات التعب والحاجة إلى الراحة.
وللحفاظ على جودة النوم، يفضل جعل الماء والمشروبات العشبية الباردة الخالية من المنبهات هي الخيار الأساسي مع العشاء، مع الحرص على شرب الماء بكثرة للحد من أي تأثيرات سلبية للمواد الأخرى على بنية النوم (Sleep Architecture).
التفاعل مع العوامل البيئية والضوء في الصيف:
يحتاج الجسد بطبيعته إلى خفض درجة حرارته الداخلية بمقدار درجة مئوية واحدة تقريبا لتسهيل عملية الدخول في النوم والاسترخاء.
غير أن عمليات الهضم النشطة و الحرارة الخارجية تعملان معا كحاجز أمام هذا الانخفاض الضروري.
وإلى جانب تقديم موعد العشاء ليكون مبكرا، ينبغي تهيئة بيئة النوم خارجيا عبر تبريد الغرفة باستخدام أجهزة تكييف الهواء، أو المراوح، أو فتح النوافذ لضمان تهوية جيدة.
علاوة على ذلك، فإن زيادة ساعات الضوء نهارا تقصر فترة الانتقال الذهني من الحالة النشطة إلى حالة الاسترخاء، ومن ثم، يصبح من الضروري بناء طقس انتقالي بسيط قبل النوم، مثل ممارسة تمارين التنفس أو قراءة بضع صفحات من كتاب، لمساعدة الدماغ على الاستعداد للنوم وتجاوز تداعيات حرارة الصيف وعاداته المتأخرة.