في مشهد يتجاوز حدود السخرية السوداء، احتضنت العاصمة الإسبانية مدريد حفل توزيع جوائز “مؤسسة خوسيه رامون دي لا مورينا”، ليعتلي المسرح “رئيس حكومة” سبتة السليبة، خوان خيسوس فيفاس، مكرما بجائزة “الإيثار” لسنة 2026.
حفل دبج بعناوين براقة وخطابات تنضح بالعاطفة، ورفع فيه شعار عريض يبعث على الذهول: “الإيثار يغير، شكرا لأنكم جعلتموه ممكنا”.
إنها لمفارقة صارخة تجعل المتابع يتساءل: عن أي إيثار يتحدث هؤلاء؟ وأي إنسانية تلك التي تكافأ اليوم في صالونات مدريد الفخمة، بينما تذبح مبادؤها يوميا على شوارع سبتة السليبة ؟
إن منح جائزة تحمل قيمة سامية ك “الإيثار” — والتي تعني تقديم مصلحة الآخرين والتضحية من أجل الفئات الأكثر هشاشة — ل”مسؤولي” سبتة، يمثل انفصالا تاما عن الواقع الميداني.
فالواقع المنظور يكشف أن العقيدة الأساسية ل”سلطات” المدينة تجاه ملف المهاجرين غير النظاميين والقاصرين لا تمت للإيثار بصلة، بل تتركز حول عقيدة واحدة: الإعادة الانتهاء من هذا “العبء” بأي ثمن.
لقد تحول الخطاب الرسمي ل”مسؤولي” سبتة السليبة منذ شهور وسنوات إلى أسطوانة متكررة من “التسول السياسي والإعلامي” باسم المهاجرين، حيث يستغل الملف للحصول على المزيد من الدعم المالي من مدريد و بروكسل، مع ممارسة سياسة مظلومية دائمة تظهر المدينة وكأنها ضحية “غزو”، عوض تقديم حلول إنسانية مبتكرة أو إبداع سياسات إدماج حقيقية تليق بكرامة البشر.
ويبين الواقع اليومي العجز المتواصل لتدبير أزمات تدفق المهاجرين والقاصرين، يُغطى بدعوات استغاثة دؤوبة تطالب بالتخلص منهم ونقلهم لإسبانيا، دون استثمار جاد في مراكز استقبال تحفظ الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية.
و جعل “مسؤولو” سبتة السليبة ملف المهاجرين ورقة للمساومة والضغط السياسي، وتحويل المعاناة الإنسانية إلى أرقام في ميزانيات المطالبة بالدعم، بدلا من التعاطي معه كواجب أخلاقي وإنساني.
وعمليا تغيب الحلول الإبداعية: لمعالجة مشكل المهاجرين غير النظاميين ويتم الاقتصار على المقاربة الأمنية وصراخ “النجدة”، في غياب تام لأي مبادرات تدعم الإدماج أو توفر الحماية الفعالة للقاصرين والشباب الذين تقطعت بهم الأسباب.
إن تكريم خوان خيسوس فيفاس بشعار “الإيثار ” لا يعدو كونه مسرحية علاقات عامة وتزييفا للمفاهيم السامية.
فالإيثار الحقيقي لا يقاس بالدروع التذكارية والصور الالتقاطية في شوارع مدريد الأنيقة، بل يظهر في الميدان: في المعاملة الإنسانية، وفي أيدي الرحمة التي تمتد للمستضعفين على الحدود، وليس في الأيادي التي تسعى للضغط من أجل طردهم والتخلص منهم.
لقد أثبت هذا التكريم أن هناك مسافة شاسعة بين شوارع مدريد حيث تصنع الجوائز، وشوارع سبتة السليبة حيث يُعاني المهاجرون.. وبينهما، تظل كلمة “الإيثار” ضحية أخرى يتاجر بها في سوق النفاق السياسي.