لماذا عاد «المصباح» من بعيد في تطوان والمضيق؟

هالة انفو.

قراءة أولية في مفاجأة انتخابات 23 شتنبر وشبكات التعبئة الصامتة
أفرزت انتخابات 23 شتنبر 2026 معطى انتخابياً لافتاً في دوائر الشمال، تمثل أساساً في العودة القوية لحزب العدالة والتنمية، بعدما كان حضوره في أغلب التقديرات السابقة بعيداً عن دائرة المنافسة المباشرة على المقاعد.
وتكتسي الحالة أهمية خاصة في تطوان والمضيق-الفنيدق، حيث لم تقتصر عودة الحزب على تحسين ترتيبه، بل تحولت إلى حصوله على المقعد الثاني في دائرة المضيق-الفنيدق، بـ3408 أصوات وفق النتائج النهائية، فيما حل ثانياً في دائرة تطوان.
وإذا كانت النتائج أصبحت واضحة، فإن السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: من أين جاءت هذه الأصوات، ولماذا لم تظهر مؤشرات صعودها بوضوح في الحسابات الانتخابية التي سبقت الاقتراع؟
الجواب يحتاج إلى قراءة مركبة، تجمع بين الأرقام والمعطيات الميدانية، بدل اختزال الظاهرة في عامل واحد.
# كتلة انتخابية لم تختفِ وإنما انسحبت
من بين الفرضيات التي تستحق الدراسة وجود كتلة من الناخبين المتعاطفين تقليدياً مع العدالة والتنمية، بقيت أسماؤهم في اللوائح الانتخابية، لكنها لم تشارك بالوتيرة نفسها في الانتخابات السابقة.
وهنا ينبغي التمييز بين انخفاض التصويت للحزب وبين اختفاء قاعدته الانتخابية.
فالتجربة الانتخابية السابقة أظهرت أن جزءاً من القاعدة التي كانت تصوت للحزب يمكن أن ينتقل من التصويت إلى العزوف، من دون أن ينتقل بالضرورة إلى حزب منافس.
وفي انتخابات 2026، يبدو أن جزءاً من هذه الكتلة عاد إلى صناديق الاقتراع بقوة.
وهو تفسير ينسجم مع طبيعة النتائج المسجلة وطنياً أيضاً، إذ عاد الحزب بقوة وحصل، وفق النتائج المؤقتة التي أعلنتها وزارة الداخلية، على ازيد من 54 مقعداً،

#بنكيران واستعادة التعبئة العاطفية
العامل الثاني يرتبط بعودة عبد الإله بنكيران إلى واجهة الحزب وخطابه السياسي.
وبصرف النظر عن تقييم هذا الخطاب، فإن بنكيران يمتلك قدرة واضحة على مخاطبة القاعدة التقليدية للحزب بلغة مباشرة وعاطفية، واستحضار مرحلة سابقة من تجربة العدالة والتنمية.
وهنا برزت مفردات من قبيل المظلومية السياسية، والاستهداف، والصراع مع الخصوم، والدفاع عن الهوية السياسية للحزب، ورفض التطبيع…
هذه العناصر يمكن أن تؤدي انتخابياً وظيفة مهمة: تحويل الناخب المتردد أو العازف إلى ناخب يشعر بأن مشاركته أصبحت مرتبطة بالدفاع عن الدين اولا وجماعته السياسية التي تحاول حمايته.
ولا يعني ذلك أن جميع أصوات الحزب جاءت من هذا العامل، وإنما أن الخطاب المركزي ساعد، وفق المعطيات الميدانية التي جرى جمعها، على إعادة تنشيط جزء من القاعدة التقليدية.
# العمل الصامت بدل الاستعراض الانتخابي
من أهم العناصر التي تظهر في الروايات الميدانية المتداولة داخل الحزب أن جزءاً من العمل الانتخابي لم يكن مرئياً بالشكل الذي اعتادت عليه الحملات الحديثة.
فبدلاً من الاعتماد حصراً على التجمعات الكبرى والمسيرات والأنشطة التي تستقطب الانتباه، جرى التركيز على:
الاتصالات الفردية؛
العائلات؛
العلاقات الشخصية؛
شبكات التعارف القديمة؛
التواصل مع مناضلين ومتضامنين سابقين؛
إعادة تحريك الأشخاص الذين كانوا قد ابتعدوا عن العمل الانتخابي.
وهذا النوع من التعبئة يصعب قياسه بواسطة المظاهر الخارجية للحملة.
فقد يبدو الحزب ضعيفاً في الشارع، بينما تكون لديه في المقابل شبكة اتصالات تعمل داخل الأحياء والعائلات بشكل غير ظاهر وهذا بتأطير من القيادة التي جربت العمل الحكومي.
# الأرشيف التنظيمي للحزب

يبدو كذلك أن العدالة والتنمية استفاد من شيء لا يظهر بسهولة في الحملات الانتخابية: ذاكرة التنظيم.
فالحزب راكم، خلال سنوات طويلة، علاقات مع جمعيات وفعاليات محلية وعائلات ومنتخبين سابقين ومتطوعين ومناضلين.
حتى عندما تتراجع شعبية حزب ما، لا تختفي بالضرورة كل هذه العلاقات.
وبالتالي، فإن إعادة تشغيل جزء من هذه الشبكات قبل الانتخابات يمكن أن ينتج أثراً انتخابياً أكبر من حجم الأنشطة العلنية التي يقوم بها الحزب خلال الحملة الرسمية.
وهنا تكمن إحدى المفارقات الأساسية في انتخابات 2026: الحضور الانتخابي لا يقاس دائماً بعدد التجمعات أو حجم المسيرات، وإنما بقدرة الحزب على الوصول إلى الناخب يوم الاقتراع.
#الاستفادة من أخطاء الخصوم

العامل الآخر الذي لا ينبغي إغفاله هو أداء المنافسين.
فجزء من صعود حزب معين قد لا يكون ناتجاً عن تطور قوته فقط، وإنما عن أخطاء ارتكبها بالجملة الآخرون.
ومن خلال المعطيات الميدانية التي أوردتها، يمكن تسجيل عدد من هذه الأخطاء:
أولاً: تصريحات حزبية مستفزة لبعض الفئات الاجتماعية.
ثانياً: ضعف التواصل المباشر مع الناخبين.
ثالثاً: الاعتماد على لغة سياسية فوقية لا تجد دائماً طريقها إلى المواطن.
رابعاً: الاعتقاد بأن امتلاك المال أو شبكات المصالح يكفي وحده لضمان الأصوات.
خامساً: ضعف القدرة على التعامل مع الناخب الذي يشعر بالتهميش أو الغضب.
وهنا يمكن فهم كيف يستطيع حزب يمتلك خطاباً عاطفياً وتنظيماً قديماً أن يستفيد من أخطاء خصومه، حتى وإن لم يكن هو نفسه قد أحدث تحولاً جذرياً في بنيته.
#«الوجوه المستهلكة» وعامل العزوف
من بين المؤشرات التي تستحق دراسة أعمق أيضاً ظاهرة العزوف الانتخابي.
فالمشاركة الوطنية بلغت 38.02 في المائة وفق المعطيات التي أعلنتها وزارة الداخلية، وهي أقل من نسبة 50.86 في المائة المسجلة في انتخابات 2021.
وفي مثل هذه الحالات، لا تكون النتيجة بالضرورة انعكاساً مباشراً لاتجاهات جميع المواطنين، وإنما لاتجاهات من قرروا فعلياً المشاركة.
وهنا يمكن أن تستفيد الأحزاب التي تتوفر على قاعدة أكثر انضباطاً وتنظيماً، لأن تراجع المشاركة قد يجعل كل كتلة انتخابية ثابتة أكثر تأثيراً في النتيجة النهائية.
وبالتالي، فإن ما يبدو «قفزة» في أصوات العدالة والتنمية قد يكون في جزء منه عودة كتلة انتخابية كانت موجودة أصلاً، بالتزامن مع غياب جزء كبير من ناخبي المنافسين.
# الأوراق الملغاة والامتناع عن الاختيار

هناك عامل آخر يحتاج إلى دراسة بالأرقام التفصيلية لمكاتب التصويت، وهو حجم الأوراق الملغاة.
فالناخب الذي يذهب إلى مكتب التصويت ولا يمنح صوته لأحد بشكل صحيح لا يساهم في رفع رصيد أي لائحة، في حين يمكن للكتل الانتخابية المنظمة أن تستفيد نسبياً من ارتفاع الأوراق الملغاة أو عدم مشاركة جزء من الناخبين.
لكن من المهم هنا عدم القول إن «المصباح استفاد من الأوراق الملغاة» بالمعنى المباشر؛ الأدق انتخابياً هو القول إن ارتفاع العزوف والأوراق الملغاة يمكن أن يرفع الوزن النسبي للأصوات الصحيحة التي تحصل عليها الكتل الأكثر انضباطاً.
وهذه نقطة لا يمكن حسمها إلا بمقارنة عدد الأصوات الصحيحة والملغاة والمشاركة في كل مكتب.
# المضيق-الفنيدق: نتيجة يصعب تجاهلها
في دائرة المضيق-الفنيدق، حصل حزب الأصالة والمعاصرة على 7507 أصوات، مقابل 3511 صوتاً تقريباً للعدالة والتنمية وفق النتائج المؤقتة المتداولة.
وهذا يعني أن المسألة لم تكن مجرد ارتفاع رمزي في الأصوات.
لقد تحولت التعبئة إلى مقعد برلماني فعلي.
والأهم أن هذا حدث في دائرة كان المشهد الانتخابي فيها، قبل الاقتراع، يوحي بمنافسة مختلفة بين قوى حزبية أخرى. وكانت الصحافة المحلية قد وصفت الخريطة الانتخابية في المضيق-الفنيدق بأنها شبه محسومة.
# رجال الأعمال وشبكات المصالح

تطرح المعطيات الميدانية أيضاً مسألة شبكات الدعم المرتبطة برجال الأعمال وبعض الفاعلين المحليين.
فالاعتماد على علاقات المصالح قد يكون فعالاً في بعض السياقات، لكنه يصبح أقل فاعلية عندما يشعر الفاعلون بأن وعوداً انتخابية سابقة لم تتحقق أو أن مصالحهم تعطلت.
وفي هذه الحالة يمكن أن يتحول الامتناع عن الدعم إلى عامل مؤثر، حتى من دون انتقال هؤلاء مباشرة إلى حزب منافس.
وهذا يفسر جزئياً لماذا لا تكفي معرفة من يملك المال أو من يقود شبكة مصالح معينة للتنبؤ بالنتيجة.
#ضعف الشبكات الجمعوية الحزبية
تظهر الانتخابات أيضاً مشكلة أعمق تتعلق بالبنية الميدانية للأحزاب.
فوجود جمعيات قريبة من حزب سياسي لا يعني بالضرورة وجود شبكة انتخابية قادرة على التعبئة.
هناك فرق بين:
جمعية لها حضور اجتماعي
و
شبكة انتخابية تستطيع تحديد الناخبين والوصول إليهم وتحريكهم يوم الاقتراع.
والعدالة والتنمية استفاد تاريخياً من تجربة تنظيمية جعلت جزءاً من العمل الداخلي قائماً على التواصل المباشر، وهو ما قد يفسر قدرته على تحقيق نتيجة أكبر من حجم حضوره البصري خلال الحملة.
# سؤال السلطة وشبكات الوساطة المحلية
أما الحديث عن دور رجال السلطة في بناء شبكات اجتماعية، فيحتاج إلى قدر كبير من التحفظ والسرية.
الأدق هو ان الانتخابات كشفت، في بعض المناطق، عن محدودية قدرة بعض الفاعلين المحليين منهم رجال سلطة على توقع السلوك الانتخابي أو فهم التحولات الاجتماعية والاقتصادية الدقيقة ميدانيا وليس من المنصات الاجتماعية.
فالناخب ليس بالضرورة جزءاً من شبكة سياسية ثابتة، وقد يتغير سلوكه بين استحقاق وآخر.

الخلاصة: «المصباح» لم يصعد من فراغ
المعطيات الأولية تقود إلى فرضية مركبة، وليست إلى سبب واحد.
فالعودة القوية للعدالة والتنمية في تطوان والمضيق تبدو، في ضوء النتائج والمعطيات الميدانية، ناتجة عن تفاعل عدة عوامل:
قاعدة انتخابية قديمة + عودة جزء من العازفين + خطاب بنكيران + تعبئة تنظيمية هادئة + شبكات علاقات سابقة + أخطاء المنافسين + ضعف التواصل الحزبي + انخفاض المشاركة.
والأهم أن هذه الانتخابات تقدم درساً انتخابياً بالغ الأهمية: الحزب الذي يبدو ضعيفاً في المشهد العلني ليس بالضرورة ضعيفاً داخل صناديق الاقتراع.
فالانتخابات لا تكافئ دائماً من يملك أكبر عدد من التجمعات أو أكبر حضور على مواقع التواصل الاجتماعي، وإنما من يستطيع في النهاية تحويل التعاطف أو التنظيم أو العلاقات إلى صوت صحيح داخل صندوق الاقتراع.
وفي المقابل، لا ينبغي تحويل هذه القراءة الأولية إلى استنتاج نهائي حول أسباب التصويت؛ فالحسم يحتاج إلى تفكيك النتائج مكتباً بمكتب، وجماعة بجماعة، ومقارنة أصوات 2021 بـ2026، ونسب المشاركة والأوراق الملغاة والأصوات الصحيحة. عندها فقط يمكن معرفة ما إذا كانت «عودة المصباح» أساساً نتيجة عودة كتلته القديمة، أم اقتطاعه أصواتاً من منافسين، أم مزيجاً من العاملين معاً.
وهذه هي الحلقة الثانية التي تستحق الاشتغال عليها: ماذا تستطيع الأحزاب والسلطات والفاعلون المحليون فعله بعد هذه النتائج، إذا أرادوا فهم التحول بدل الاكتفاء بتفسيره بعد وقوعه؟

error: Content is protected !!