موت في الهامش.. مأساة “الكوانو” بسبتة تضع الإنسانية أمام الامتحان

هالة انفو. بقلم : محمد اليطفتي

ليس الموت وحده ما يستوقفنا في فاجعة الشاب المهاجر الذي لفظ أنفاسه، عصر اليوم الجمعة، داخل مخيم “مصنع الكوانو” بمدينة سبتة السليبة، وإنما ذلك المكان الذي اختارته الأقدار ليكون شاهداً على نهايته.
مكانٌ تحوّل، في غفلة من الزمن، إلى عنوان لوضع إنساني لا يمكن أن يمر أمام الضمير العام مرور الكرام.
فقد حضرت وحدة الطوارئ الطبية، وبذلت طواقمها ما في وسعها لإنقاذ الشاب، وخضع لعملية إنعاش قلبي رئوي امتدت لنحو خمس وعشرين دقيقة، غير أن الموت كان أسرع من كل محاولات الإنقاذ.
ورغم أن ملابسات الوفاة وأسبابها المباشرة لم تُحسم بعد، في انتظار نتائج التقرير الطبي والتشريح الشرعي، فإن الواقعة في حد ذاتها تفتح من جديد ملفاً إنسانياً ثقيلاً ظل مفتوحاً منذ أن تحول هذا الفضاء إلى مأوى اضطراري لعشرات، بل لمئات، من المهاجرين الذين يعيشون في ظروف قاسية، بعيداً عن أبسط شروط الاستقرار والعيش الكريم.
وهنا، لا يتعلق الأمر بإصدار حكم مسبق على أسباب الوفاة، ولا باستباق نتائج التحقيق الطبي والقضائي، وإنما يتعلق بسؤال أعمق: كيف يمكن لإنسان أن يعيش في فضاء هش إلى هذا الحد، وأن تصبح حياته معلقة بين انتظار المجهول ومواجهة يومية مع العراء والمرض والخوف؟
إن الهجرة، مهما اختلفت دوافعها ومساراتها، لا تلغي إنسانية المهاجر، ولا تسقط عنه حقه في الحياة والكرامة والرعاية. كما أن تدبير ظاهرة الهجرة، بما تفرضه من اعتبارات قانونية وأمنية واجتماعية، لا ينبغي أن يحجب البعد الإنساني الذي يظل جوهر كل معالجة مسؤولة.
لقد أصبح “الكوانو” أكثر من مجرد مخيم عشوائي. إنه صورة مكثفة لأزمة تتجاوز حدود المكان، وتكشف أن الحلول المؤقتة، مهما طال عمرها، لا تستطيع أن تكون بديلاً عن سياسة واضحة في مجال الاستقبال والإيواء والرعاية والتدبير الإنساني للهجرة.
والأخطر من ذلك أن يتحول الاعتياد على هذه المشاهد إلى نوع من البلادة الجماعية؛ أن يصبح وجود مئات الأشخاص في ظروف قاسية أمراً مألوفاً، وأن يصبح خبر وفاة أحدهم مجرد رقم جديد في سجل طويل من المآسي.
إن وفاة هذا الشاب تستدعي أولاً كشف الحقيقة كاملة حول ظروف وفاته، وهو ما ينبغي أن تقوم به الجهات المختصة بكل شفافية ومسؤولية.
لكنها، في الوقت نفسه، تستدعي أكثر من ذلك: وقفة جادة أمام واقع المخيمات العشوائية، وأمام الظروف التي تدفع بشباب في مقتبل العمر إلى العيش في فضاءات لا تليق بالإنسان.
ليس المطلوب أن تتحول المأساة إلى مادة للمتاجرة السياسوية أو العاطفية، وإنما أن تكون مناسبة لإعادة الإنسان إلى مركز النقاش.
ففي نهاية المطاف، قد تختلف الحدود والجنسيات واللغات والأحلام، لكن حين يسقط الإنسان ميتاً في مكان يفترض أن يكون مؤقتاً، فإن السؤال الذي يبقى دائماً هو: ماذا فعلنا حتى لا يتكرر المشهد؟
في “الكوانو”، لا ينبغي أن يكون الموت مجرد خبر ينتهي بانتهاء ساعات النهار.
فالموت الذي وقع هناك يستحق أن يوقظ السؤال، قبل أن يوقظ الحزن.

error: Content is protected !!