تجارة الخوف وركوب المآسي: سبتة ورقة “فيخو” لمغازلة صناديق الاقتراع
هالة انفو. بقلم:عبد العزيز حيون
في الوقت الذي تستدعي فيه ظاهرة الهجرة الشائكة تحليا بأعلى درجات المسؤولية الأخلاقية والبحث عن حلول إنسانية وهيكلية، تصر بعض القوى السياسية التقليدية في إسبانيا على تحويل المعاناة الإنسانية إلى بضعة أصوات في صناديق الاقتراع.
و تتجسد هذه الممارسة الانتخابوية بوضوح مع إعلان الحزب الشعبي الإسباني (PP) عن زيارة المرتقبة يوم الأربعاء القادم لزعيمه ألبيرتو نونيث فيخو إلى مدينة سبتة السليبة، وهي زيارته الأولى بصفته الرسمية كمرشح لرئاسة الحكومة عقب قرار حل البرلمان والدعوة لانتخابات عامة مبكرة في 29 نوفمبر.
فيما تعد هذه الزيارة هي الخامسة لفيخو إلى سبتة السليبة منذ تدفق المهاجرين ، محاطة بدعاية إعلامية وشعارات تنادي بـ “تفقد الأوضاع الميدانية” .
لكن قراءة متأنية في سياق هذا التوقيت تكشف أن الرهان الحقيقي لا يتعلق بحماية أمن المعابر ولا بمعالجة أسباب الهجرة، بل يمتد نحو تأجيج الصراع الاستقطابي الداخلي، وإعادة إشعال فتيل النعرات السياسية مع الجار .
إن اختيار مدينة سبتة السليبة كنقطة انطلاق ميدانية للحملة الانتخابية لفيخو ليس محض مصادفة جغرافية، بل استراتيجية يمينية مكررة تعتمد على توظيف قضايا الهجرة والأمن لخلق حالة من ” الاستنهاض القومي الشعبي”.
ويتغذى خط الأزمة على توجيه الأنظار نحو قضايا لاستدرار عواطف الناخبين الإسبان، واقتطاع مساحة من الجمهور المحافظ الذي يستجيب بسرعة لخطابات “الحزم الأمنية”.
غير أن التكلفة الأخلاقية والسياسية لهذه المناورة تبدو باهظة جدا ،وتتمثل في تسليع الآلام الإنسانية وتحويل ملف المهاجرين إلى مجرد “ديكور خلفي” لاستعراضات سياسية إعلامية ،وكذا إثارة النعرات والتوترات و استدعاء الخطابات الحادة التي تستهدف الجوار الإقليمي بدلا من تقديم برامج واقعية لإدارة الملفات المشتركة.
كما تتمثل في الهروب من الحلول الجوهرية والابتعاد عن صياغة مقترحات للتنمية المستدامة والتنسيق المؤسساتي الداخلي والأوروبي، والاكتفاء بالتصريحات ذات النبرة العالية ،وتغليب الربح الانتخابي على حساب الشراكة الاستراتيجية..
وما يغفله زعيم الحزب الشعبي اليميني في اندفاعه نحو الاقتراع هو أن العلاقات الإسبانية-المغربية تتجاوز حدود المناورات الحزبية والنزوات الانتخابية العابرة.
لقد أثبت المغرب، عبر مختلف المحطات والتحولات الجيوسياسية، أنه شريك استراتيجي موثوق ومحوري لمدريد في مجالات متعدة كالتعاون الأمني ومكافحة الإرهاب.
و يمثل المغرب خط الدفاع الأول والشريك الأساسي لضمان استقرار حوض البحر الأبيض المتوسط و جنوب غرب أوروبا.
و ينجز المغرب جهودا ميدانية ضخمة بكلفة مالية ولوجستية وإنسانية عالية للحد من شبكات الاتجار بالبشر والهجرة غير النظامية دون أن يتلقى من الاتحاد الأوروبي ،كإسبانيا، الدعم السخي.
كما يغفل الزعيم اليميني أن الشراكة بين المغرب و إسبانيا تمتد إلى علاقات تجارية واستثمارية بمليارات اليورو تتأثر مباشرة بطبيعة الاستقرار السياسي بين البلدين.
إن الإصرار على افتعال الأزمات وإقحام المغرب ك “طرف في الصراع الإسباني الداخلي” يعكس تغليبا صريحا للربح السياسي الضيق الأجل على حساب الاستقرار الجيوسياسي و الدبلوماسي طويل الأمد الذي بني بحذر بين البلدين.
و تقتضي الممارسة السياسية الرشيدة الابتعاد عن افتعال المعارك الجانبية وتفجير الخلافات الخارجية لكسب معارك داخلية.
فالوصول إلى السلطة لا ينبغي أن يكون عبر تقويض الجسور الدبلوماسية ولا باستهداف الشركاء الإقليميين الذين يتحملون عبء المسؤوليات الميدانية والأمنية بتنسيق وثيق.
و زيارة ألبيرتو نونيث فيخو إلى سبتة لربما توفر له عنوانا عريضا في النشرات الإخبارية اليوم، لكنها تكشف مجددا هشاشة الرؤية الاستراتيجية عندما يضحى بالشراكات الدولة الكبرى على مذبح الطموحات الانتخابوية الضيقة.