سبتة السليبة.. حين تتحول العلاقات المغربية الإسبانية إلى ورقة للمزايدة السياسية
هالة انفو. بقلم : محمد اليطفتي
ليست كل الدعوات إلى توظيف العلاقات بين الدولتين من أجل معالجة الأزمات تعبيراً عن إرادة حقيقية في إيجاد الحلول، فقد تتحول، حين تصدر عن حسابات حزبية ضيقة، إلى محاولة للتنصل من المسؤولية وإلقاء أعبائها على الآخرين. وهذا ما تكشفه، في جانب من جوانبها، مواقف مسؤولي الحزب الشعبي المحليين بسبتة السليبة، وهم يطالبون الحكومة المركزية الإسبانية باستثمار علاقاتها الجيدة مع المغرب لتسريع إعادة القاصرين المهاجرين، في قضية لا تختزلها الرغبات السياسية ولا تحسمها الاتصالات الدبلوماسية، بل تضبطها مقتضيات قانونية وإجرائية واضحة.
إن جوهر المفارقة هنا أن المسؤولين المحليين، وهم الأدرى بتعقيدات الوضع داخل المدينة وبالضغوط الاجتماعية والسياسية التي يواجهونها، يدفعون باتجاه تحميل الحكومة المركزية مسؤولية إيجاد مخرج سريع لأزمة لا تسمح القوانين الإسبانية بمعالجتها بمنطق الإعادة الجماعية أو الترحيل الفوري. فإعادة القاصرين غير المصحوبين بذويهم تقتضي دراسة كل حالة على حدة، ومراعاة المصلحة الفضلى للطفل، واحترام الضمانات القانونية المرتبطة بالحماية ولمّ الشمل الأسري. ولذلك، فإن اختزال القضية في اتصال بين مدريد والرباط لا يلغي المساطر الواجبة، ولا يجعل العلاقات الثنائية بديلاً عن القانون.
ومن هنا، يحق التساؤل عما إذا كانت هذه الدعوات تستهدف فعلاً تسهيل الحل، أم أنها ترمي، في جانب منها، إلى إحراج الحكومة المركزية ووضعها أمام مسؤولية سياسية يصعب عليها الوفاء بها خارج الضوابط القانونية. فحين يطالب مسؤولون محليون الحكومة باستعمال نفوذها الدبلوماسي لتجاوز معضلة ذات طبيعة قانونية، فإنهم يخلطون، عن قصد أو بدونه، بين ما يمكن تحقيقه بالتفاوض وما لا يمكن إنجازه إلا باحترام القانون. والأخطر أن تتحول العلاقات مع المغرب إلى شماعة تعلق عليها إخفاقات التدبير المحلي، أو إلى أداة في صراع حزبي داخلي لا علاقة له بالجوهر الإنساني والقانوني للملف.
إن المغرب، الذي يحرص على علاقات الجوار والتعاون مع إسبانيا، ليس طرفاً يمكن استدعاؤه كلما اشتدت الضغوط الداخلية على هذا المسؤول أو ذاك، ولا يجوز التعامل معه باعتباره مخرجاً جاهزاً لأزمات التدبير السياسي داخل سبتة السليبة. فالعلاقات المغربية الإسبانية، بما راكمته من تعاون وتفاهم في قضايا متعددة، تقوم على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل والالتزامات القانونية، لا على منطق تصدير الأزمات أو توظيف الشريك في تصفية الحسابات السياسية الداخلية.
كما أن الدفاع عن المصالح المغربية في هذا الملف لا يعني تجاهل البعد الإنساني للقضية، ولا التقليل من مسؤولية حماية القاصرين وصون حقوقهم. بل إن المقاربة الرشيدة تقتضي التمييز بين التعاون المشروع لإعادة الأطفال إلى أسرهم، متى استوفيت الشروط والضمانات اللازمة، وبين المطالبة بإعادتهم على نحو يتجاوز المساطر القانونية. فليس من مصلحة المغرب ولا إسبانيا أن تتحول حماية القاصرين إلى مادة للمزايدات الانتخابية، أو أن تصبح معاناة الأطفال وسيلة لتبادل الاتهامات بين الأحزاب والمؤسسات.
ولعل ما ينبغي أن يدركه مسؤولو الحزب الشعبي بسبتة السليبة هو أن العلاقات الجيدة بين الرباط ومدريد ليست امتيازاً يوضع رهن الإشارة كلما واجهت جهة محلية مأزقاً سياسياً، وإنما رصيد استراتيجي ينبغي صونه وتطويره، بما يخدم الاستقرار والتعاون ويعزز الثقة بين البلدين. أما محاولة تحميل الحكومة المركزية وحدها تبعات أزمة معقدة، مع القفز على القيود القانونية التي تحكمها، فلا تقدم حلاً بقدر ما تؤجل المواجهة الحقيقية مع أسبابها.
إن المطلوب اليوم ليس توسيع دائرة تبادل المسؤوليات، بل اعتماد مقاربة قانونية وإنسانية واضحة، تتقاسم فيها المؤسسات الإسبانية مسؤولياتها وفق اختصاصاتها، وتُوظَّف فيها قنوات التعاون مع المغرب في إطار احترام القانون وسيادة البلدين. فالعلاقات الثنائية القوية لا تُقاس بقدرة طرف على نقل أزماته إلى الطرف الآخر، بل بقدرتهما معاً على بناء حلول واقعية ومتوازنة، بعيداً عن الابتزاز السياسي والمزايدات الحزبية.
وهنا تكمن الرسالة الأساسية: المغرب شريك في التعاون، وليس طرفاً لتحميله كلفة الحسابات الداخلية، والقانون ليس تفصيلاً يمكن تجاوزه تحت ضغط السياسة، بل هو الإطار الذي ينبغي أن تتحرك داخله كل الحلول، مهما بلغت قوة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.