اقتصاد الريع وعزلة سبتة: “مسؤولو” المدينة يختبئون خلف ورقة الهجرة

هالة انفو. بقلم :عبد العزيز حيون

لم تعد خافية على أحد تلك السياسات الترقيعية والعقليات الريعية التي يدير بها “مسؤولو” الثغر ملف سبتة السليبة.
فبدل البحث عن بدائل اقتصادية حقيقية، واستغلال المؤهلات الممكنة لإخراج المدينة من نفقها المظلم بعد الانهيار التام لظاهرة “التهريب المعيشي”، يصر القائمون على تدبير الشأن المحلي هناك على نهج سياسة “الاسترزاق المؤسساتي”، متخذين من تدفقات المهاجرين شماعة لتعليق الفشل، ومن المساعدات المالية الإسبانية طوق نجاة يبقي على حالة الاحتضار الاقتصادي للمدينة دون علاج جذري.
المرآة العاكسة لهذا التخبط هي تلك الأرقام الرسمية الصادرة مؤخرا، حيث قفزت مساعدات نقل البضائع المخصصة لسبتة خلال عام 2026 لتصل إلى 281.194.29 أورو، مسجلة زيادة صاروخية بنسبة 54.4% مقارنة بسنة 2025 التي توقفت فيها المساعدات عند حدود 182.127.98 أورو.
هذا الارتفاع المالي ترافق مع “طفرة” في عدد الملفات المعالجة بنسبة 162.4% (منتقلة من 258 إلى 677 طلبا)، بينما المفارقة الصادمة تكمن في أن عدد الشركات المستفيدة استقر عند أربع شركات فقط! ..
وهو ما يؤكد بالملموس أن هذه الملايين لا توجه نحو دينامية تنموية تشمل النسيج المقاولاتي ككل، بل تصب في مصلحة لوبيات ضيقة تستفيد من ريع العزلة الجغرافية والتكلفة اللوجستية.
ملاحظة سوداء:
الاعتماد المالي الأولي لم يكن يتجاوز 125 ألف أورو، لكن “بند التوسيع” المفتوح استطاع نفخ الرقم إلى أكثر من 281 ألف أورو تحت ذرائع تغطية نفقات العام السابق (2025)، في حلقة مفرغة تكرس التبعية المطلقة لاقتصاد مركزي ودعم الشركات القليلة دون أي أثر تنموي حقيقي للمواطن البسيط بسبتة السليبة.
و إن الإمعان في طلب هذه المساعدات وتضخيمها سنويا ليس سوى غطاء سياسي مفضوح يخفي عجزا هيكليا في التخطيط المستقبلي.
فمسؤولو سبتة، وأمام غياب أي رؤية لخلق اقتصاد منتج بمعزل عن الابتزاز التجاري التقليدي، يفضلون إبقاء المدينة في حالة “غيبوبة مزمنة”.
فكلما اشتدت الأزمات المالية والاقتصادية نتيجة الإغلاق المحكم للمعابر مع المغرب ، عمد هؤلاء المسؤولون إلى النفخ في “بعبع الهجرة السرية” وتضخيم أرقام الضغط البشري ، لاستنزاف المزيد من الدعم المالي لإسبانيا والاتحاد الأوروبي.
إنها باختصار “تجارة الأزمات”، حيث يستثمر في اليأس البشري وفي عزلة المدينة لتبرير تدفق الاعتمادات المالية التي تذهب في جيوب لوبيات النقل والشركات الاحتكارية الأربع، دون أن تنعكس على البنية التحتية أو فرص العمل للشباب المحلي.
وسياسة “النفخ في المساعدات” وتوسيع البنود المالية لن تزيد سبتة السليبة إلا اختناقا.
فبدلا من الرهان على التنمية المستدامة، والشراكة الحقيقية، والاعتراف بالواقع الجغرافي والاقتصادي للمنطقة، يصر “مسؤولو ” سبتة على استمراء دور “المتسول المؤسساتي”.
و استمرار هذا الوضع سيبقي المدينة مجرد منطقة معزولة، تعيش على الإعانة والصدقة السياسية، بينما يبقى شبح الإفلاس التام يتربص بها في كل لحظة تنقطع فيها حبال امداد المساعدات من إسبانيا.

error: Content is protected !!