صناعة الثقافة بمدينة تطوان تستوجب الدفاع عن مقوماتها وتأهيل المهتمين بها

لقد عمل المغرب ومنذ السنوات الأولى على استقلاله، على إرساء قواعد التنظيم اللامركزي، من خلال تدعيم مسار اللامركزية واللاتمركز، وذلك من أجل تعزيز قيم الديمقراطية المحلية، وضمان مشاركة شعبية واسعة، لاسيما على المستوى المحلي، تكون كفيلة بالإسهام في ربح الرهانات التنموية. وهو ما توج بمقتضيات دستور 2011، الذي نص على الجهوية المتقدمة، والذي أعطى للجماعات الترابية أدوارا مهمة، بشكل يعكس أهمية الديمقراطية المحلية، وإلحاحية رهان التنمية المحلية.

فالحديث عن رهانات الجهوية المتقدمة، وعن طلائعية أدوار الجماعات الترابية، هو بالضرورة حديث عن إصلاح شامل، وعن تأهيل شامل لكل المجالات والمستويات، لاسيما تلك المرتبطة بنجاح النموذج الديمقراطي المحلي، كالشأن الثقافي المحلي. ذلك أن الديمقراطية ليست مجرد إجراءات وتدابير تتجسد في العمليات الانتخابية، بل هي مجموعة من القيم والمؤطرة بخلفيات ثقافية، غالبا ما تصطدم بالموروث الثقافي المحلي، وبالقيم المحلية، وهنا تبرز أهمية الاهتمام بالشأن الثقافي المحلي، وذلك بالجواب على إشكالية أساسية تتعلق بكيفية الحفاظ على الخصوصية الثقافية المحلية، واستنبات قيم كفيلة بإنجاج النموذج الديمقراطي المحلي؟

وفي هذا الإطار، فإننا نعتقد أنه يجب على المعنيين بتدبير الشأن المحلي، وبالموازاة مع ترسيخ القيم المرتبطة بالديمقراطية، العمل على الحفاظ على مميزات الثقافة المحلية، إما بالدفع في اتجاه قطيعة إبستيمولوجية تقتل كل القيم المتجاوزة زمنا، أو بسلك نهج الانتقاء والارتقاء، من خلال الدفع بتحديث القيم التي تجاوزها الزمن. حيث أنه لا بديل لحماية الثقافة المحلية، وتحصين خصوصيتها، إلا بالدفاع عن مقوماتها، وتأهيل المهتمين بها، من خلال برامج تستهدف تشجيع المثقفين على المستوى المحلي، وتحمي الموروث الثقافي المحلي، وتحافظ عن الأدوار الثقافية التي تلعبها كمكون أساسي في التنمية.

فعندما نتحدث عن الأدوار الثقافية لتطوان مثلا، فهي تأكيد جازم أن لهذه المدينة البهية دورا ثقافيا متميزا تجسد منذ وصول الأندلسيين إليها عربا ويهودا وقبلهم كانت مستوطنا للقبائل الأمازيغية، فتلاقحت بداخلها المكون الأمازيغي والعربي واليهودي في تناغم وانسجام تام ما بين المكونات الثلاث وأفرز الشخصية المحلية المرتكزة على تراث ثلاثي أبعاد.

إن صناعة الثقافة، تفرزها النخبة التي تسعى بكل جهدها لتملك ناصية التقدم بدون التخلي عن الهوية المغربية، لذلك نجد على سبيل المثال أن النخبة التطوانية في عهد الحماية اعتبرت أن المدخل الرئيسي للحفاظ على الهوية والتطلع للمستقبل في آن واحد، الارتكاز بالدرجة الأولى على إنشاء المدراس من قبل، المعهد الحر، مدرسة الفضيلة، المدرسة الأهلية، بدون أن تتعصب إليها عبر إرسال أبنائها للتعليم الاسباني، وكذا إنشاء المنابر الصحفية من قبل جرائد السلام والأمة وغيرها، وإنشاء المطبعة الأهلية، والفرق المسرحية، والأجواق الأندلسية وغيرها. إن الهدف الأسمى لكل ذلك هو بناء الحداثة، بثقافة محلية.

لقد امتد ذلك الصرح الثقافي خلال سنوات الستينات والسبعينات والثمانينات مع ازدياد نسبة المتعلمين وبروز أفكار جديدة فأنشأت الجمعيات الثقافية والسينمائية والفنية بتصورات جديدة وبطموحات كبيرة، وبإمكانيات منعدمة كان همها النضال الثقافي لإشاعة قيم الحرية والاختلاف، والتعدد والإيمان بالآخر مما أفضى بعد ذلك سنوات التسعينات والألفية الجديدة إلى بروز تظاهرات دولية في مختلف المجالات.

إن جماعة تطوان ستحرص على الحفاظ ومساندة كل التظاهرات الثقافية، كي نساهم في تكريس تقليد ثقافي نؤمن بإيجابيته وضرورته، من أجل لعب الدور الريادي الذي كانت تلعبه على جميع المستويات والأصعدة، لتعود لطبيعتها من حركة دائبة ونشاط متسع الأهداف، متعدد الأغراض، استوعبته المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. سنعمل على جعل تطوان قبلة للوفود من داخل أرض الوطن وخارجه بفضل مكونها الثقافي المتعدد.

إن إعادة الإشعاع الثقافي لمدينة تطوان عبر عدة مداخل متعددة، على اعتبار أن المدينة وتنميتها يمر عبر بوابة التنمية الثقافية، ويجب السعي وراء ذلك لتحقيق الأهداف المرجوة عبر فتح حوارات مع كل الفاعلين الثقافيين لبلورة تصور ومشروع مشترك لفائدة المدينة وسكانها .

إن الفعل الثقافي، هو فعل الفرد المثقف عبر إنتاجاته، والمؤسسات تسعى لدعمه مع الاحتفاظ باستقلاليته التامة. لذا نجد أن جماعة تطوان تسعى إلى الحفاظ على ذاكرة تطوان من خلال الحفاظ على العادات والتقاليد في مجال اللباس والطبخ والأفراح والأمكنة، وخصوصا أنها تعتبر تراثا عالميا إنسانيا مصنفا من قبل اليونسكو، لكونها مدينة جاذبة منعشة محتضنة للأعمال الثقافية.