في الوقت الذي تتوجه فيه دول العالم نحو تقليص ساعات العمل الأسبوعية، تشهد الولايات المتحدة طفرة مثيرة للجدل تتمثل في تبني نظام العمل الصيني القاسي المعروف بـ “996”.
هذا النظام، الذي يعني العمل من التاسعة صباحا حتى التاسعة مساء لمدة ستة أيام في الأسبوع، بدأ يتسلل إلى إعلانات التوظيف في قطاع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، فارضا واقعا جديدا يتجاوز 70 ساعة عمل أسبوعيا.
والمفارقة الصارخة تكمن في أن هذا النظام، الذي ولد في الصين، قد واجه حظرا قانونيا من قبل المحاكم الصينية في السنوات الأخيرة، إلا أنه وجد أرضا خصبة في الأسواق الأمريكية الأكثر تنافسية، حيث أصبح “الولاء المطلق للعمل” شرطا غير معلن للقبول في الشركات الكبرى.
اختلال التوازن بين الحياة والعمل؛
تروي مراسلة صحيفة “هيت بارول” الهولندية في الولايات المتحدة، كارلين فان هويلينجن، قصة تعكس هذا التحول، حيث سُئل أحد المرشحين في مقابلة وظيفية عن رأيه في التوازن بين الحياة المهنية والشخصية.
وبمجرد إجابته بأن لحياته الخاصة أهمية معينة، تم استبعاده فورا من الوظيفة.
وتعلق الصحفية قائلة: “في هذا السوق، لم يعد هناك مكان لمن يبحث عن حياة طبيعية خارج أسوار الشركة”.
إعلانات توظيف “عدوانية”:
لم تعد هذه المقاربة سرية، بل بات يُعلن عنها بوضوح في منصات التوظيف.
فقد نشرت إحدى شركات الذكاء الاصطناعي في نيويورك إعلانا جاء فيه: “لا ترسل طلبك إذا لم تكن متحمسا للعمل لنحو 70 ساعة في الأسبوع مع أكثر الأشخاص طموحا في المدينة”.
ويؤكد أدريان كينرسلي، صاحب شركة متخصصة في الموارد البشرية، لوسائل إعلام تقنية، أن العديد من زبائنهم يشترطون مسبقا استعداد المرشحين للالتزام بنظام “996” قبل البدء في إجراءات المقابلات الشخصية.
الصراع بين الطموح والاستنزاف:
يثير هذا الغزو لثقافة العمل المكثف تساؤلات أخلاقية واجتماعية عميقة في المجتمع الأمريكي:
التنافسية: يرى المؤيدون أن التفوق في سباق الذكاء الاصطناعي يتطلب تضحيات استثنائية وجهدا يفوق المعتاد.
الصحة النفسية: يحذر الخبراء من أن هذه الوتيرة تؤدي إلى احتراق وظيفي سريع وتدمير للنسيج الاجتماعي للأسر.
الشرعية القانونية: بينما يحمي القانون الأمريكي ساعات العمل الإضافية، فإن فرضها كشرط مسبق يضع ضغوطا هائلة على الراغبين في تسلق السلم الوظيفي.
و يظل “نظام 996” رمزا للصراع القائم بين الرأسمالية المتطرفة وحقوق الإنسان في العمل.
فبينما ترفضه الصين قانونيا بعد سنوات من المعاناة، يبدو أن طموح “سيليكون فالي” ونيويورك قد وجد فيه المحرك الجديد لثورة التكنولوجيا القادمة، على حساب راحة وسلامة العاملين.