“واحة” في أعماق المتجمد الشمالي: اكتشاف حياة فريدة تتحدى الظلام والبرودة

هالة انفو. كتب:عبد العزيز حيون

في اكشاف علمي مذهل يغير المفاهيم السائدة عن حدود الحياة، نجحت بعثة استكشافية من جامعة القطب الشمالي النرويجية في تحديد موقع “واحة” بحرية تعج بالحياة على عمق يصل إلى 4000 متر تحت سطح المحيط المتجمد الشمالي.
هذا النظام البيئي الاستثنائي يزدهر في منطقة يسيطر عليها الظلام الدامس ودرجات حرارة قريبة من التجمد، حيث لا تصل أشعة الشمس نهائيا.
البعثة، التي تندرج في إطار مشروع استكشاف أعماق القطب الشمالي “EXTREME24″، استخدمت مركبة تعمل عن بُعد تسمى “أورورا” .
وبفضل هذه التقنية، تمكن العلماء من رسم خرائط لهياكل غير عادية تُعرف باسم “تلال هيدرات الغاز”، وهي تكوينات تبرز من قاع البحر وتطلق غازات مثل الميثان، الإيثان، البروبان، والبوتان.
نظام بيئي يقوم على “الكيمياء” لا الضوء:
على عكس جميع الأنظمة البيئية المعروفة على الأرض التي تعتمد على الضوء (التمثيل الضوئي)، تعتمد هذه الواحة القطبية على “التمثيل الكيميائي” (Chemosynthesis). في هذه العملية، تقوم بكتيريا متخصصة بتحويل المركبات الكيميائية، وخاصة الميثان والكبريت، إلى طاقة تستفيد منها الكائنات الأخرى.
هذا المصدر البديل للطاقة سمح لأكثر من 20 نوعا من الكائنات بالازدهار حول هذه التلال الغازية، ومن أبرزها:
الديدان الأنبوبية من جنس (Sclerolinum).
الحلزونات البحرية والقشريات والديدان متعددة الأشواك.
أنواع فريدة: تشير البيانات الأولية إلى أن العديد من هذه الكائنات قد تمثل أشكالا من الحياة لم تكن معروفة للعلم من قبل.
تأثير عالمي يتجاوز قاع المحيط:
لا تقتصر أهمية هذا الاكتشاف على البيولوجيا فحسب، بل يمتد ليشمل المناخ العالمي، فتلال هيدرات الغاز مرتبطة ارتباطا وثيقا بدورات الكربون ،إذ أن غاز الميثان الذي تطلقه يمكن أن يؤثر على غازات الاحتباس الحراري في الغلاف الجوي إذا تسرب بشكل طبيعي نحو السطح.
كما حذر الباحثون من ضرورة حماية هذه المناطق البكر قبل توسع أنشطة مثل التعدين في أعماق البحار، حيث إن استغلال هذه الموارد قد يدمر أنظمة بيولوجية فريدة لا تزال قيد الدراسة والاكتشاف.
المحيط.. أعقد مما تخيلنا:
يؤكد هذا الاكتشاف أن المحيطات، وخاصة في أعماقها السحيقة، لا تزال تخفي أسرارا تفوق خيال البشر.
ومع كل مهمة استكشافية جديدة، يتبين أن كوكبنا يمتلك آليات مذهلة لدعم الحياة في أكثر الظروف قسوة، مما يفتح الباب أمام تساؤلات حول إمكانية وجود أنظمة مشابهة في محيطات متجمدة على أقمار كواكب أخرى في نظامنا الشمسي.
وبينما يستمر العلم في سبر أغوار القطب الشمالي، تظل هذه “الواحة المظلمة” دليلا على عظمة التكيف البيولوجي وأهمية الحفاظ على التوازن البيئي في أبعد نقاط الأرض عن ضوء الشمس.

error: Content is protected !!