تُعد النوادي الثقافية في مدينة تطوان، منارات حقيقية تَختزل الذاكرة الثقافية للمدينة وتاريخها ،وفي شهر رمضان بالخصوص ، تتحول هذه الفضاءات إلى مراكز حيوية تجمع بين العبادة و الثقافة ، واللقاءات الإنسانية الدافئة.
كما أن هذه النوادي ،التي قلما نجدها في مدن مغربية أخرى ، تحمل على عاتقها أدوارا جوهرية في صياغة المشهد الثقافي وتقريب الناس إليه وتوفير بيئة سوسيوثقافية كفيلة بتمكين الحساسيات الثقافية والاجتماعية وحتى السياسية من التقاطع والانسجام والانصهار من أجل القضايا العامة .
كما تُعد ثقافة “النوادي الخاصة” في مدينة تطوان جزءا أصيلا من هويتها الاجتماعية والمدنية، وهي تقليد يعكس النمط “الأندلسي-المتوسطي” الذي يمزج بين الرقي الاجتماعي، و النقاش الفكري، و الترفيه الهادئ .
وهي بالتالي ليست مجرد مباني جميلة وباذخة ذات فخامة مفرطة وتصاميم هندسية راقية ، بل هي إرث حضاري شاهد على حقبة تاريخية مهمة من حياة المدينة وعلى نمط عيش تطواني فريد.
كما لهذه النوادي الثقافية دور بارز في التواصل الاجتماعي ،وهي تُمثل ،خاصة في شهر رمضان حيث للناس مُتسع من الوقت ، “برلمانات مُصغرة” لمناقشة أحوال المدينة وشؤونها الثقافية و المجتمعية ، في مزيج فريد بين الجد والهزل وبين الانتماء والتجرد وبين التحرر من التعصب والتبعية الفكرية و بين المصلحة الذاتية والمصلحة العامة .
وعرفت تطوان في تاريخها الحديث أربعة نوادي ،نادي تطوان الثقافي ونادي التجارة والصناعة ونادي الاستقلال ونادي الاتحاد ،وهي قلب المدينة النابض بالنخب الفكرية والأعيان ، تتحول في رمضان ،بشكل خاص، من فضاء للنقاش اليومي إلى مركز للإشعاع الروحي والفكري ، تنظم فيها ندوات تجمع بين الأدب والتصوف والتاريخ وتُستحضر فيها الروابط التاريخية والواقع الاجتماعي والتحولات العامة للمدينة ..و قد لا يكتمل سمر النوادي دون نغمات طرب الآلة والأناشيد الدينية والفنون الروحية ، بإقامة حفلات نخبوية تليق بوقار الشهر.
وإبان عهد الحماية ، كان يلتقي في هذه الفضاءات ،خاصة نادي الاستقلال ، رواد الحركة الوطنية و المثقفون الشباب، وذلك في حقبة تاريخية عصيبة من تاريخ المغرب عاشت ،حسب الدكتور محمد طارق حيون ، صراعا ليس فقط سياسيا بل وجوديا لتحصين الهوية الوطنية والإنسية المغربية من الاستلاب وترسيخ قيم الكرامة وتعزيز الوعي الثقافي والديني والاعتزاز بالتاريخ والموروث المحلي ،وكذا لنشر قيم الانفتاح الواعي التي توازن بين الحداثة والأصالة .
وتتميز هذه النوادي بفخامتها الكلاسيكية، وتُعتبر الوجهة المفضلة لكثير من الأدباء والشعراء والصحافيين ورجال التعليم والعلماء وأصحاب المهن المختلفة ،دون أن ننسى أن هذه النوادي تحرص على تنظيم دوريات رمضانية وأنشطة ترفيهية “هادفة” تُقرب بين مختلف الطبقات ،مثل دوريات الشطرنج أو مسابقات ثقافية، مما يخلق جوا من التنافس الودي بعد صلاة العصر و بعد صلاة التراويح .
و تزداد هذه الأنشطة توهجا في العشر الأواخر من رمضان، تحتفي فيه هذه النوادي بالعشر الأواخر وخاصة بليلة القدر بطرق احتفالية تقليدية تليق بمكانة تطوان وتقاليدها وطقوسها المتميزة التي تحتفظ بها الى يومنا هذا كما هو حال بعض المدن المغربية الاصيلة .
وتتسم هذه النوادي ، التي تعد أيضا “حارسة التراث” وتؤطرها قوانين خاصة مكتوبة وغير مكتوبة ، بالهدوء والالتزام بآداب معينة (Etiquette)، وهو ما يتماشى مع الشخصية التطوانية التي تميل إلى التحفظ والرصانة والاتزان والوقار،تعبيرا وسلوكا .
ورغم أن هذه النوادي “النخبوية المنفتحة” كانت من قبل حكرا على فئات وطبقات معينة، أصبحت اليوم مكانا يجمع أجيالا مختلفة بخلفيات فكرية واجتماعية ومهنية متنوعة ، مع الحرص بشدة على الحفاظ على “هيبة” المكان.
و في زمن السرعة والمقاهي العصرية ، يمثل التمسك بالنوادي الثقافية بتطوان نوعا من المقاومة الثقافية والشعور بالانتماء لتاريخ المدينة الحافل ،وتوفير فضاء اجتماعي مُتجدد يحترم الخصوصية بعيدا عن صَخَب المقاهي العامة.