يمكن اعتبار زيارة بيوت العزاء في مدينة تطوان خلال شهر رمضان المبارك تجربة إنسانية فريدة، تمزج بين واجب التعزية وبين خصوصية الأجواء الروحانية للمدينة بمختلف أحيائها وضواحيها .
ولا تقتصر هذه الزيارات على مشاعر المواساة فحسب، بل تتحول إلى فضاء تتجلى فيه قيم التكافل الاجتماعي بلمسة تطوانية عريقة ، و لا يُنظر إلى الموت في رمضان كفجيعة فحسب، بل كرحلة روحانية تُحاط بطقوس من الوقار والهدوء، حيث تتحول جلسات العزاء إلى لحظات تأمل جماعي تجمع بين قُدسية الشهر الفضيل وحُرمة الفراق، لتجسد أسمى صور التلاحم الإنساني .
ويُثبت الواقع أن المجتمع التطواني ،شأنه في ذلك شأن ساكنة المدن العتيقة ، من أكثر المجتمعات تمسكا بآداب المُعاشرة ونظم “التاويل”، وتتجلى هذه الميزة بوضوح في زيارات العزاء خلال شهر رمضان، حيث يتسابق الجيران والأحباب لتهوين المصاب على أهل الميت، مُستغلين بركة الشهر الفضيل لمضاعفة الأجر والحسنات .
وتُشكل الجنازة والتعزية في تطوان عامة “موقفا مهيبا” يُظهر تماسك العائلات والحي، لكن حلول هذه المناسبات الحزينة في شهر رمضان يُضفي عليها صبغة مختلفة، حيث تمتزج مشاعر الحزن بروحانيات الشهر الفضيل ..وخلافا للأيام العادية، يتغير جدول استقبال المعزين في تطوان خلال رمضان بشكل يتناسب مع طقوس الصيام.
ويفضل البعض زيارة بيت العزاء في وقت متأخر من الظهيرة (بعد صلاة العصر)، وتكون الزيارة قصيرة جدا لتجنب إرهاق أهل الميت الصائمين،فيما يبقى وقت بعد صلاة التراويح فترة “الذروة” للتعزية ،ويتوجه الجيران والأقارب إلى بيت العزاء بعد الانتهاء من الصلاة لتمتد الجلسات في جو يسوده الهدوء وتلاوة القرآن.
و بتطوان، يُعرف عن الجيران والحي تكفلهم الكامل بطعام أهل الميت ،تطبيقا للسنة النبوية وقول الرسول الخاتم “اصنعوا لآل جعفر طعاما” .. ويقوم الجيران بإعداد صواني الإفطار المتكاملة وإرسالها لبيت العزاء لإطعام أهل الميت وزوار العائلة الذين يقطنون بعيدا أو الغرباء ،كما غالبا ما يتم تقديم وجبات بسيطة وغير مبالغ فيها، التزاما بحرمة الموت ووقار الشهر، مع التركيز على “الكسكس” في بعض الليالي كصدقة جارية.
ولا يخلو بيت عزاء تطواني من صوت “المُسمعين” أو القراء الذين يتلون الحزب الراتب بطريقة مغربية شجية، تمنح السكينة لأهل المتوفى والوقار لمنزل العزاء .
ومن آداب الزيارة والتعزية والقواعد غير المكتوبة الجاري بها العمل في تطوان ،التركيز على الأدعية التي تجمع بين تعزية الفقد وفضل شهر رمضان ،مثل: “صبركم الله في هذا الشهر الفضيل وجعل مثواه الجنة مع الصديقين” و “البركة في راسكم، الله يرحمه ويغفر له في هاد العواشر ” و”الله يصبركم، مأجورين إن شاء الله بصبركم وصيامكم “، كما تُمنع تماما الأحاديث الجانبية في أمور الدنيا داخل بيت العزاء، ويُكتفى بالصمت أو تلاوة القرآن أو الذكر ،و المساعدة في ترتيبات الجنازة أو قضاء حوائج أهل الميت في السوق من غير الأكل ، لتخفيف عبء الصيام والحزن عنهم.
و رغم الحزن من فراق الشخص المتوفى ، يرى التطوانيون في وفاة قريب لهم في رمضان “علامة خير” وحسن خاتمة، مما يجعل أجواء العزاء تميل نحو الرضا بقضاء الله والسكينة أكثر من العويل والنحيب.
وارتباطا بتقاليد العزاء ،خاصة في شهر رمضان، يَسْتعمل أهل تطوان “المْكَب” ،وهو غطاء هرمي أو دائري يُصنع عادة من الخشب أو من المعدن أو سعف النخيل المنسوج ، ويُغطى بالثوب الأبيض دلالة على الحزن والوقار، ووظيفته الأساسية هي تغطية صواني الطعام للتستر بالأساس وللحفاظ على نظافتها وطراوتها وجمالية تقديمها ثانيا .
ويُستخدم “المْكَب” تعبيرا عن احترام كبير لأهل الميت، حيث لا يُكشف الطعام إلا عند وضعه أمام المعزين .. ،كما أن الصدقة أو العطاء الذي يُحمل في “المكبات” يكون موجها لعائلة الفقيد و الطلبة (حفظة القرآن) الذين يتلون القرآن في بيت العزاء .
و إن هذه الطقوس الرمضانية بتفاصيلها ،تؤكد أن الموت في الثقافة التطوانية ليس انقطاعا، بل هو جِسر يُجدد فيه الأحياء ميثاق المحبة والتواصل ، وبهذه الطقوس تظل تطوان وفية لروحها، محولةً لحظات الوداع إلى محطات للصبر والسكينة، مُستمدة من بركة الشهر الفضيل قوة تجعل من “العزاء” رباطا مُقدسا لا يزداد مع مرور الزمن إلا وثوقا.