مع غروب شمس الأيام الأخيرة من شهر رمضان المبارك، تكتسي مدينة تطوان حلة استثنائية يمتزج فيها عبق البخور بصدى التكبيرات، لتبرز زكاة الفطر ليس فقط كشعيرة دينية واجبة لتطهير الصيام، بل كظاهرة اجتماعية واقتصادية تعكس عمق التكافل في الهوية التطوانية الأصيلة .
وزكاة الفطر (الفْطْرة باللهجة التطوانية) ممارسة دينية بعمق إنساني تتجلى فيها الأبعاد الروحية التي تربط العبد بخالقه، والأبعاد الإنسانية التي تذيب الفوارق الطبقية بين ساكنة المدينة ، التي ترتسم فيها لوحة متكاملة من التضامن، حيث يسعى الجميع لضمان ألا يبقى في “العيد” بَيْت واحد يفتقر لفرحة القوت أو بهجة اللباس.
وتبقى هذه الفريضة ، التي تعتبر صدقة واجبة تروم تطهير الصائم من اللغو والرفث وإغناء الفقراء والمساكين عن السؤال يوم الفطر (عيد الصغير)، ،بمثابة محرك للعدالة الاجتماعية وأداة لتعزيز الروابط الأسرية والمجتمعية التي ميزت دائما هذه الحاضرة المغربية عبر العصور.
ومن أبرز الأبعاد الاجتماعية لزكاة الفطر في سياق المجتمع التطواني تعزيز التماسك الحيوي لروح “الحومة” ، إذ لا تزال “الحومة” (الحي) تمثل وحدة اجتماعية قوية ،فزكاة الفطر تؤدي دورا محوريا في تجديد الروابط ،وغالبا ما يحرص التطوانيون على إخراج الزكاة لأسر متعففة داخل نفس الحي، مما يحافظ على كرامة الجار ويقوي اللحمة بين سكان المدينة .
كما من أبعاد هذه الفريضة في تطوان ما يعرف ب”التكافل المستتر” ،وبما أن طابع التعفف يغلب على أهل المدينة ، لذا يتم توزيع الزكاة بأسلوب يراعي الحياء والوقار، بعيدا عن المظاهر التفاخرية ،من أجل توحيد المظهر الاجتماعي العام ،و حتى تساهم الزكاة في تمكين الأسر المعوزة من اقتناء ملابس العيد للأطفال وتحضير حلويات العيد ، مما يقلل من الفوارق الطبقية .
وتتحول بذلك الزكاة من مجرد قيمة مادية إلى أداة لدمج الفئات الهشة في الاحتفال الجماعي بمناسبة عيد الفطر ، وفي كثير من الأحيان تضطلع المساجد والزوايا بدور “الوسيط الاجتماعي” في توزيع هذه الزكاة ،إذ تقوم بجمع الزكاة وتوزيعها بشكل عادل بناء على معرفة المدبرين لشأن هذه المؤسسات الدينية الدقيقة للأسر المحتاجة، مما يضمن وصول “البركة” لمن هم أكثر استحقاقا وبأسلوب يصون كرامة المعنيين.
وضمن دورهم التربوي ،يحرص الآباء في تطوان على إشراك الأبناء في عملية إخراج الزكاة ليعلموا أن الزكاة “طهرة للصائم وإغناء للمحتاج” وأن الزكاة المقدمة هي الأدنى وأن الزيادة من الخير هي شيمة أهل المنطقة ، مما يغرس في الجيل الجديد قيم المسؤولية الاجتماعية تجاه الضعفاء والمحتاجين والفقراء .
ويمكن القول إن زكاة عيد الفطر في مدينة تطوان ،كما في باقي المدن المغربية العتيقة ، هي تجسيد حي لقيم التكافل العريق الذي جُبل عليه المغاربة ، فهي تطهر الصيام و تذيب الفوارق الطبقية ،وهي صمام أمان يضمن ألا يدخل العيد بيت تطواني إلا والفرحة قرينة له.
إن الحفاظ على هذه الشعيرة بطقوسها المحلية، مع الانفتاح على الأشكال الحديثة للتنظيم ، يضمن استدامة “روح الجماعة” التي تميزت بها تطوان عبر العصور ،حتى تبقى رسالة محبة وتضامن وإيخاء وتآزر يبعث بها أهل المدينة لبعضهم البعض، مؤكدين أن شموخ أهل تطوان بشكل خاص وشموخ المغاربة بشكل عام لا يكتمل إلا بشموخ قيم التراحم بين أبنائه.