عبقرية التدبير المائي والبيئي: الوقف التطواني كنموذج للاستدامة
هالة انفو. بقلم: عبد العزيز حيون.
لم يكن الوقف في الوجدان التطواني ليقتصر فقط على شعيرة دينية لبناء المساجد أو إطعام المساكين ورعاية المسنين والأطفال المتخلى عنهم والأضِراء فحسب، بل كان تعبيرا حضاريا راقيا يعكس تصالح الإنسان مع محيطه.
ففي دروب وأزقة تطوان العتيقة، وبين جدران بيوتات عائلاتها الأصيلة ، نبتت ثقافة “الأوقاف المتخصصة” التي لم تترك كائنا إلا وشملته برعايتها ، من طيور لها خصوصيات معينة إلى قطط الأزقة والبغال والحمير المسنة، بلوغا استدامة الموارد المائية ونظافة الفضاء العام.
وأدركت العائلات التطوانية منذ القدم أن رقيّ المدينة يُقاس بمدى رفقها بضعافها من الكائنات ونظافة فضاءاتها المشتركة ،فخصصوا عقارات وأموالا (أحباسا) لغرض قد يبدو للبعض اليوم “ترفا”، لكنه كان لديهم واجبا أخلاقيا وجماليا .
فنجد في تطوان أوقافا خاصة ب”حماية الحيوانات” وتوفير الملاذ والطعام للضالة منها والطيور المهاجرة والطيور المستقرة التي تنظف الأمكنة بسلوكها الفطري ،وأوقافا أخرى لتحقيق “التوازن البيئي” ،عبر صيانة نظم الري عبر “السقايات” وضمان تدفق المياه العذبة ووصولها الى كل الفضاءات ، وكذا تمويل عمليات التنظيف الدورية والتجويد المعماري للأزقة.
ومن تم ساهم الوقف المالي للعائلات التطوانية في صياغة هوية بيئية متفردة، جعلت من مدينة تطوان مدينة “إيكولوجية” بامتياز قبل ظهور المصطلحات البيئية الحديثة بقرون،و قد يلهمنا السلوك الحضاري للتطوانيين الذي دأبوا عليه منذ قرون في مواجهة تحديات الاستدامة المعاصرة.
والنموذج الفريد في التكافل الاجتماعي ،الذي لم يقتصر على الإنسان فحسب وشمل الكائنات الضعيفة من خلال نظام “الأوقاف” ،يعكس عمليا عُمق الوعي البيئي والحضاري لدى الأسر التطوانية العريقة ،وهو ما تقاسمته مع حاضرات مغربية عريقة ،مثل فاس وسلا والرباط ومكناس وغيرها .
ففي قلب مدينة تطوان ، لم يكن الرفق بالحيوان مجرد سلوك عابر، بل تقنينا مؤسساتيا عبر “أوقاف” العائلات ،التي خصصت جزءا من أموالها وممتلكاتها لضمان استمرارية إطعام القطط، الطيور، وحتى دواب النقل، مما خلق توازنا بيئيا يستفيد منه الإنسان و المدينة برمتها ،التي لم تُسمى اعتباطا “الحمامة البيضاء ” لنظافة هذه الحاضرة ولنبل ساكنتها التي لم تعرف أبدا بالإسراف لكنها عرفت دوما بالتدبير الحكيم والمتقن وفن العيش .
ومن تجليات “الوقف” على الحيوانات ،ككائنات حية تتقاسم معنا الفضاء العام ، في النسيج تطوان العريقة ، كانت الأسر تضع أواني حجرية أو فخارية مخصصة للماء والحبوب، يضمن الوقف ملأها يوميا ،وارتبطت تجارة السمك في بعض أسواق تطوان بعُرْف غير مكتوب، حيث تخصص كمية من الصيد لإطعام قطط الأحياء، وهو ما يمنع تراكم النفايات العضوية ويحافظ على نظافة الزقاق.
وبخصوص الطيور ،خُصص ريع بعض الأراضي والبيوت لشراء الحبوب لطيور “السطوح” والمآذن، مما جعل سماء تطوان لا تضج فقط بالحياة والحركة بل جعل أزقتها نقية من الزوائد ومن الحشرات والزواحف والقوارض الضارة .
وكانت هناك أوقاف مخصصة لتوفير العلف والماء للدواب التي تعبت أو كبرت في السن ولم يعد أصحابها قادرين على إعالتها، بدلا من إهمالها ،ووجدت سجلات تشير إلى تخصيص مبالغ لعلاج الحيوانات الجريحة، وهو ما يسبق مفاهيم “الطب البيطري المجتمعي” بقرون.
وتعامل التطوانيون مع عُش اللقلاق (بلارج)،تعاملا خاصا جدا لأنه كان يُنظر إليه كطائر مبارك وكرمز للتوافق والتساكن العائلي وتلاحم الأسرة ، وحرص الوقف على حماية أماكن تعشيشه فوق الأسوار والمآذن، ومنع إزاحة أعشاشها ومواقع استقرارها .
كما كانت هناك أوقاف تُعنى بشراء “الجير” لتبييض جدران المدينة العتيقة دوريا، ليس فقط للجمالية، بل لأن الجير مادة مطهرة تقتل الجراثيم والحشرات.
وبنفس المنطق ،خصصت بعض العائلات نصيبا من مالها لتمويل عُمال النظافة الذين يجمعون النفايات من “الدروب” الضيقة بشكل يومي ،دون الحديث عن نظام توزيع المياه التقليدي في تطوان ،وفي سياقه أوقف المحسنون أموالا مهمة لصيانة القنوات المائية (القواديس) لضمان وصول الماء النظيف لكل بيت ومسجد وسقاية، وضمان تصريف المياه العادمة بعيدا عن السكن.
و هذا النظام الوقفي أدى وظائف بيئية حيوية ،منها التخلص الآمن من الفضلات ،وإطعام الحيوانات كان وسيلة ذكية لتدوير البقايا العضوية قبل ظهور أنظمة التدبير الحديثة ، كما أمن هذا النظام “التوازن البيولوجي ” ،عبر الحفاظ على القطط والطيور في الأحياء العتيقة للقيام بدورها الطبيعي والفطري الذي ينفع الناس ويقيهم من الآفات.
وقد نُقلت هذه الأوقاف من الأجداد إلى الأحفاد مما غرس في الشخصية التطوانية قيم الرفق والمسؤولية تجاه المحيط الطبيعي ..ورغم التحولات العمرانية والاجتماعية، لا تزال روح “الوقف” حاضرة في سلوك العائلات بتطوان ،فالمار حاليا ببعض الشوارع والأزقة يلاحظ اهتماما فطريا بوضع الطعام والماء في زوايا معينة، وهو استمرار رمزي لتلك الأوقاف التي كانت تعتبر الحيوان شريكا في الفضاء العمراني وليس دخيلا عليه .
و إحياء الحديث عن “وقف إطعام الحيوانات والطيور بمختلف فصائلها هو استحضار لتاريخ جميل ، إضافة الى أنه دعوة لاستلهام حلول بيئية نابعة من الهوية التطوانية المحلية، حيث تلتقي العبادة بالرفق، وتلتقي المحافظة على البيئة بالقيم الأسرية المتجذرة .
وما قامت به العائلات التطوانية عبر التاريخ يمثل “صحوة بيئية مبكرة وخلاقة “،وأعطى للوقف قيمة أخرى وتجاوز كونه مجرد صدقة من أنواع الصدقات الجارية ، بل كان عقدا اجتماعيا وبيئيا يضمن استدامة الحياة بكرامة لكل الكائنات .وكتبت هذه الأعراف بمداد من الذهب قبل مئات السنين واستمرت بلا تغيير الى أن تغيرت بعض المفاهيم و الممارسات بسبب عادات دخيلة أساءت الى الموروث .
وهذه الممارسات الوقفية الراقية جدا هي “إرث إنساني ” يستوجب الاستحضار والتدبر ،وهي دعوة مفتوحة لاستلهام تلك القيم في معالجة قضايانا البيئية المعاصرة.. فالحفاظ على هذا الموروث وتطويره بروح العصر، هو السبيل لإعادة إحياء تلك القناعات الجماعية التي جعلت من تطوان “حمامة بيضاء ” تطير بجناحي الرحمة والنظافة ،قولا وفعلا.