كتبت الصحافة الإسبانية، اليوم الجمعة، أن قطاع الدفاع في المملكة المغربية يشهد تحولا هيكليا بارزا يتجاوز بموجبه النموذج القائم على اقتناء الأسلحة الجاهزة أو التجميع الجزئي بموجب تراخيص غربية، نحو التأسيس لصناعة عسكرية وطنية متكاملة.
ويأتي هذا التحول ،حسب الصحافة الإسبانية، مدعوما ومدفوعا بتعاون استراتيجي وثيق مع قوة صناعية صاعدة هي جمهورية الهند، بهدف توطين التكنولوجيا العسكرية المتقدمة، وتحقيق الاكتفاء الذاتي الاستراتيجي، وتحويل المملكة إلى منصة تصديرية رئيسية نحو القارة الأفريقية.
الرؤية السياسية والإطار التشريعي لتوطين الصناعة:
وكتب المصدر أن هذه الديناميكية الصناعية تندرج في إطار التوجيهات الملكية للملك محمد السادس، التي وضعت قطاع التصنيع العسكري في صلب الاستراتيجية الوطنية لتطوير الكفاءات الذاتية وتعزيز السيادة الدفاعية.
ويرتكز هذا التوجه على إجبارية تضمن الاتفاقيات الدولية لبنود واضحة تتعلق بنقل المعرفة وتدريب الأطر المحلية.
وقد شكّل المصادقة على القانون المتعلق بعتاد وتجهيزات الدفاع والأمن والأسلحة والذخيرة في 14 يوليوز 2020 المنطلق التشريعي الأساسي ،حيث أتاح هذا الإطار القانوني جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة عبر اشتراط نسب محددة من الإدماج المحلي، وتدشين مناطق صناعية متخصصة في شؤون الدفاع، مع ربطها بقطاعات حيوية قائمة مثل صناعة السيارات والطيران.
الشراكة المغربية الهندية: نموذج “التصنيع مع الأصدقاء”:
وفق المصدر، تمثل الشراكة مع نيو دلهي، والتي تبلورت بشكل هيكلي عبر مذكرة تفاهم شاملة جرى توقيعها عام 2025، نموذجا مغايرا للتعاون التقليدي ،إذ لا تقتصر على تزويد المعدات بل تمتد لتشمل التطوير المشترك، والأمن السيبراني، والتكوين التقني المستدام.
وتجد الهند في المغرب شريكا مثاليا لتطبيق استراتيجيتها التصديرية المعروفة بـ “Make with Friends” والولوج إلى الأسواق الأفريقية، مستفيدة من الاستقرار السياسي للمملكة وموقعها الجيواستراتيجي الرابط بين أوروبا وأفريقيا.
مصنع “تاتا” في برشيد: خطوة أولى نحو الإدماج المحلي:
يعد المصنع التابع لمجموعة “تاتا للأنظمة المتقدمة” (Tata Advanced Systems) بمدينة برشيد، والمخصص لإنتاج الآليات المدرعة من طراز “WhAP 8×8″، النموذج الأبرز لهذه الشراكة الإستراتيجية:
معدل الإدماج الحالي: تُصنع المملكة حاليا 35% من مكونات هذه المدرعات محليا.
الهدف المستقبلي: يخطط البرنامج الصناعي لرفع نسبة المكونات المصنعة داخل المغرب لتصل إلى 50%، مما يسهم في خلق سلسلة قيمة عسكرية وطنية مستقلة عن تقلبات سلاسل التوريد الخارجية في أوقات الأزمات.
واعتبر المصدر أنةالطموح الصناعي المغربي يتطلع إلى نقل تجربة النجاح المحققة في مدرعات القوات البرية إلى الأنظمة الجوية المستقلة والأكثر تعقيدا، مستندا في ذلك على بنية تحتية راسخة لقطاع الطيران المدني والدفاعي:
حجم القطاع:تعمل في المغرب حاليا حوالي 150 شركة طيران وفضاء عالمية (من بينها عمالقة الصناعة مثل Airbus وBoeing وSafran وThales وCollins Aerospace).
العوائد والتشغيل: يحقق القطاع رقم معاملات سنوي يناهز 2.5 مليار يورو، ويوفر أكثر من 25.000 منصب شغل مباشر.
عمق التصنيع: تشمل الأنشطة المحلية تصنيع الأجزاء الهيكلية لهياكل الطائرات، والأنظمة الكهربائية والضفائر الإلكترونية (EWIS)، وأجزاء المحركات، والمقصورات الداخلية الموجهة لطائرات تجارية رائدة مثل “Airbus A320″ و”Boeing 737”.
مشاريع هيكلية تعزز مكانة المملكة:
تؤكد الاستثمارات الأخيرة لشركات الطيران العالمية التحول النوعي للمغرب من مرحلة المناولة البسيطة إلى مرحلة التجميع الكامل والتصنيع الحرج:
1.مجموعة “سافران” (Safran) الفرنسية: قررت إنشاء خط تجميع متطور لمحركات الطائرات المرتبطة بطائرات “Airbus A320neo”، بقدرة إنتاجية مستهدفة تصل إلى مئات الوحدات سنويا، مما يتضمن نقل تكنولوجيا هندسية دقيقة وكفاءات تقنية عالية للمهندسين المغاربة.
2. شركة “بوينغ” (Boeing) الأمريكية: تواصل تعزيز منظومتها الصناعية في المملكة عبر اتفاقيات شراكة مستدامة مفعلة منذ عام 2016، تشمل إنتاج أجزاء هيكلية لبرنامج طائرات “737 MAX”، وتطوير شبكة متكاملة من الموردين المحليين.
إن هذا التكامل بين القاعدة الصناعية الجوية القائمة، والتعاون الدفاعي المتسارع مع القوى الدولية كالهند، يؤهل المغرب تدريجيا، حسب المصدر ،لتبوّأ مركز الصدارة كقطب استراتيجي إقليمي قادر على تلبية احتياجاته الدفاعية وتصدير الأنظمة الأمنية المتطورة للدول الأفريقية الراغبة في تحديث منظوماتها العسكرية.