لماذا يعد اختفاء الذباب كارثة وجودية لكوكب الأرض؟
هالة انفو. كتبت: إحسان الزمراني
لا أحد يكتب قصائد مديح في الذباب، ولا تخصص القنوات الوثائقية سلاسل ممتدة لإبراز جمالياته و ضرورة وجوده .
بالنسبة للبشرية، يظل الذباب الكائن الأكثر إزعاجا، والنموذج الحي للميكروبات المتنقلة التي تستحق المطاردة دائما.
ومع ذلك، خلف هذا الإزعاج اليومي المزمن تختبئ حقيقة علمية بالغة الأهمية: اختفاء الذباب من على وجه الكرة الأرضية لن يكون انتصارا للبشر، بل بداية لنهاية النظام البيئي كما نعرفه.
مع تعداد تقديري يصل إلى 17 مليون ذبابة لكل إنسان على الكوكب، تشكل هذه الحشرة المتواضعة عمودا فقريا غير مرئي للحياة الحيوية، وتتنوع أدوارها بين التطهير، التغذية، التلقيح، وحتى الطب المتقدم.
ثاني أهم ملقح على الكوكب وبدونها يختفي الشوكولاتة:
إذا كانت النحل تحتكر الصورة الباهية لعملية التلقيح، فإن الأرقام العلمية تمنح الذباب مركز وصيف البطل، إذ يساهم الذباب بنسبة تصل إلى 30% من التلقيح العالمي.
وتتجلى نجاعته البيئية في قطاعات ومناطق جغرافية محددة:
إنقاذ محاصيل المناطق الاستوائية: يعتمد شجر الكاكاو، على سبيل المثال، بشكل شبه كامل على ذباب صغير للغاية من فصيلة “الهاموش” (Jejenes). هذا الذباب هو الكائن الوحيد القادر على الولوج إلى داخل الزهور المتناهية الصغر لشجرة الكاكاو وتلقيحها، وبدونه، يختفي الشوكولاتة من العالم تماما.
التكيف مع الظروف القاسية: في المرتفعات الجبلية العالية والمناطق ذات المناخات الباردة القاسية حيث يعجز النحل عن الطيران والعمل، يتحرك الذباب بكفاءة عالية.
ورغم أنه أقل أناقة في نقل حبوب اللقاح، إلا أنه يعوض ذلك بكثافة عدده وزياراته المتكررة للمساحات الزهرية المعزولة.
وقد أثبتت تجارب ميدانية، مثل تلك التي أجراها عالم الحشرات الأسترالي جوناثان فينش حين علق براميل اللحم المتعفن في مزارع المانغو الشاسعة، أن زيادة الكثافة العددية للذباب ترفع معدلات التلقيح والإنتاج الزراعي بشكل طردي.
فريق التنظيف الأكثر كفاءة ومصنع المغذيات:
إذا ترفع الجميع عن التعامل مع الجيف والفضلات، فإن الذباب يعتبرها بيئته المفضلة.
و بفضل مستشعرات التذوق الدقيقة الموجودة في أرجلها، تطأ الذبابة الأسطح العضوية لتحديد جودتها، لتبدأ المرحلة الأكثر أهمية عبر يرقاتها:
إعادة تدوير الأنسجة الميتة: تمثل اليرقات أسرع وأكفأ آلية تفكيك حيوي على الكوكب.
ومن خلال التغذية على الجثث والنفايات البيولوجية، تحول هذه المواد المتعفنة إلى مغذيات غنية تتدفق مباشرة إلى التربة لتغذية النباتات، ولولا هذا الدور لتحول الكوكب إلى مكب نفايات عملاق تفوح منه الأوبئة.
التطهير الجراحي (علاج اليرقات): يمتد هذا الدور التطهيري إلى الطب البشري الحي ،حيث تستخدم يرقات معقمة من نوع Lucilia sericata طبيا، وبتنظيم من هيئة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) منذ عام 2003، لتنظيف الجروح المفتوحة والمستعصية.
تأكل هذه اليرقات الأنسجة الميتة والمصابة بدقة متناهية دون مساس بالأنسجة الحية، مع إفراز مواد مضادة للبكتيريا، مما يجعلها بمثابة جراح مجهري فائق الدقة.
الركيزة الجينية وحصن السلسلة الغذائية:
يمثل الذباب حجر زاوية في هرم الطاقة، فهو الوجبة الأساسية لآلاف الأنواع من الطيور، البرمائيات، الزواحف، الأسماك، والعناكب. واختفاؤه يعني انهيارا فوريا وفراغا غذائيا يهدد هذه الكائنات بالانقراض.
أما في المختبرات العلمية، فتدين البشرية لـ “ذبابة الفاكهة” (Drosophila melanogaster) بالكثير من الفهم الطبي:
التطابق الجيني: تشترك ذبابة الفاكهة مع البشر في حوالي 75% من الجينات المرتبطة بالأمراض البشرية، مما جعلها النموذج الأول والأنسب لأبحاث علم الوراثة، و المنطلق الأساسي لفهم ميكانيكية أمراض مستعصية مثل السرطان والباركينسون.
كما كانت هذه الحشرة أول كائن حي يرسل إلى الفضاء الخارجي عام 1947 لدراسة تأثير الإشعاع الكوني.
لماذا يصعب اصطيادها؟
تتمتع الذبابة، التي ظهرت على الأرض منذ العصر الترياسي (قبل نحو 240 إلى 250 مليون سنة) وعاصرت كافة الانقراضات الجماعية، بنظام رؤية خارق. يحلل الدماغ لدى الذبابة الصور المرئية بسرعة تفوق سرعة البشر بسبعة أضعاف.
هذا يعني أن محاولتك لضربها بيدك تبدو لها وكأنها فيلم يعرض بالحركة البطيئة (Slow-motion)، مما يمنحها وقتا كافيا لحساب زاوية الهروب والإقلاع بأمان.
النظام البيئي يتطلب هذا التوازن، فبقدر ما يمثل النحل النظام والجمال، يمثل الذباب الفوضى الضرورية لإعادة التدوير.
ورغم كل هذه الحقائق، ستظل مزعجة، ومحاولة طردها عند اقترابها تظل رد فعل بشريا طبيعيا تماما.