محمد ريان: قصة تميز في التربية ونضال هادئ وبناء ومواقف ثابتة في السياسة والصحافة
هالة انفو. بقلم :عبد العزيز حيون
في كل مناطق المغرب ثمة رجالات يمشون بين الناس بهدوء وسكينة، لكنهم يحملون في دواخلهم تاريخا شخصيا حافلا بالنضال والبناء والتضحيات ..وفي قلب مدينة تطوان يبرز اسم الأستاذ الفاضل محمد ريان كواحد من هؤلاء الرواد الأخيار الذين شقوا مسارات متعددة بجسارة وثبات.
والأستاذ/المربي محمد ريان رمز حي تَمَكّن، في فترات كان العمل محفوفا بالصعاب، من صياغة توليفة عبقرية فريدة، فكان المربي الواعي في قسمه والمرشد لتلامذته ، والصحافي المستبصر في منبره، والنقابي المحاور في ميدانه، والسياسي الإصلاحي الثابت على مبادئه، يجمعه في كل ذلك وجه بشوش، ونفس هادئة، وقبول اجتماعي واسع.
انطلقت مسيرة الأستاذ محمد ريان من أقدس المحاريب: حجرات الدرس بمدينة الريش النائية لتنتهي في أعرق ثانوية بمدينة تطوان الشامخة ثانوية “القاضي عياض”،وفي قطاع التعليم لم يكن مجرد ناقل للمعرفة الشفوية وإنما كان مُربيا واعيا يدرك أن إصلاح المجتمع يبدأ من صياغة عقول ناشئته.
و هو أستاذ لمادة شاملة من قيمة “الاجتماعيات” تميز بأسلوبه السلس السهل، وقدرته العجيبة على التواصل مع تلامذته وزملائه بمرونة اجتماعية آسرة، غارسا في نفوس الأجيال قيم الوعي والمسؤولية والاعتزاز بالوطن الذي يحتضن الكل وإن اختلفت الجغرافيا واختلفت المواقف والخلفيات الاجتماعية والسياسية .
ووعيا منه بأن تنوير المجتمع يحتاج إلى عين فاحصة وقلم مسؤول، أسس وأدار جريدة “الجهة” بتطوان بمعية أخي محمد طارق حيون .. وفي زمن الكلمة المحسوبة، قاد الأستاذ ريان هذا المنبر بـ”استبصار” شديد، فابتعد عن الإثارة الرخيصة واقترب من هموم المواطن وتطلعات المنطقة الشمالية خاصة والمغرب بشكل عام بما في ذلك منطقة الشرافات ،حيث يوجد مسجد “طارق بن زياد” المرجعي ،التي مثلها في الهيئة المنتخبة المحلية باعتزاز ومثابرة ونكران الذات .
وكانت جريدته بمعية أخي محمد طارق حيون مرآة لشخصيتهما: هادفة، متزنة وصلبة ، وتطرح النقاش الرصين الذي يهدف إلى البناء لا إلى الهدم ..ويهدف الى التوعية لا تشتيت العقول في أمور تافهة لا تنفع المجتمع في شيئ .
في ساحة النضال النقابي بقطاع التعليم، برز الأستاذ محمد ريان كـ”محاور جيد” من طراز رفيع. لم يكن يؤمن بالصخب الأجوف، بل كان يمتص التشنجات بهدوئه المعهود وبشاشته الإيجابية .. ومن داخل نقابة التعليم، دافع بقوة وشراسة عن حقوق الشغيلة التعليمية ومطالبها المشروعة، مستعملا سلاح الحجة البالغة، والحوار المَرِن، والقدرة العالية على الإقناع، مما جعله محط احترام وتقدير من قِبل القواعد والمسؤولين المؤسساتيين على حد سواء.
و امتد وعي الأستاذ ريان إلى العمل السياسي التنظيمي، حيث انخرط في الفعل الإصلاحي في وقت كانت فيه ممارسة السياسة تكليفا شاقا ومغامرة غير مأمونة العواقب أحيانا . ورغم كل العواصف والتحولات الحزبية المحلية ، ظل الرجل عنوانا لـ”المواقف الثابتة” التي لا تباع ولا تشترى. لم يغير جلده، ولم يلهث وراء المكاسب الضيقة، بل ظل وفيا للخط الإصلاحي، مؤمنا بأن السياسة أخلاق ومسؤولية وتضحية أولا وقبلكل شيئ .
و الكتابة عن الأستاذ محمد ريان اليوم، وهو حي يرزق يزين فضاء تطوان بحضوره البهي وبركة عطائه، هي تحية وفاء واعتراف بفضل جيل استثنائي قدم الكثير ولم يطلب لنفسه شيئا ..وتجربة الأستاذ ريان الحياتية والمهنية والسياسية الطويلة تعلمنا أن القوة الحقيقية تكمن في الهدوء، وأن النضال يمكن أن يرتدي ثوب الأخلاق وسلاسة التواصل، وأن الكلمة الصادقة تُعمر أكثر من الصخب.
ستبقى مسيرة سي محمد ريان ،المُتشعبة بين التربية والإعلام والنقابة والسياسة ، نِبْراسا مُلهما للأجيال الصاعدة، وشاهدة على أن نُبل الموقف وثبات المبدأ هما العملة الوحيدة التي لا تخسر أبدا في سوق التاريخ.
كما ستبقى تطوان فخورة بابنها البار ، الذي علّم الأجيال كيف يكون النضال فكرا وصحافة، وكيف يكون الإنسان — قبل كل شيء — سهلا، لَيّنا، وقريبا من قلوب البشر.