إلى ابنتي العزيزة… فخري بكِ أكبر من كل نجاح

هالة انفو.

ابنتي العزيزة،

أود في البداية أن أقف لكِ احترامًا وإجلالًا، لا لأنكِ ابنتي فحسب، وإنما لأنني رأيت فيكِ نموذجًا لشابة اختارت أن تشق طريقها بالعلم والاجتهاد والاعتماد على النفس، ورفضت أن تجعل الغش أو التحايل جسرًا تعبر من خلاله إلى النجاح.
ومن خلالكِ، أقف اليوم احترامًا لكل شباب هذا الوطن العزيز، لكل شاب وفتاة يجتهدون في دراستهم، ويسهرون الليالي من أجل تحصيل العلم، ويحلمون بمستقبل أفضل، ويؤمنون بأن بناء الوطن لا يكون إلا بسواعد أبنائه الصادقين، الذين يرفضون كل أشكال الغش والتدليس، مهما كانت المبررات ومهما كانت الإغراءات.
ابنتي،
أنتِ اليوم في مرحلة عمرية ودراسية تشكل بالفعل مفترق طرق في حياتكِ. وأعرف أن الطريق ليس دائمًا عادلًا، وأن الحياة قد تضع أمام الإنسان اختبارات أقسى من الامتحانات التي يجتازها في قاعات الدراسة.
وأعرف أيضًا أن هناك اختلالات تؤلم، ومظاهر للغش تجرح الإحساس بالعدل، وأن بعض من لا يستحقون قد يصلون أحيانًا إلى أماكن يستحقها آخرون تعبوا واجتهدوا وسهروا وضحوا.
وأعرف مرارة ذلك كله… وأشعر بحسرتكِ وغضبكِ، وربما أشعر بهما أكثر مما تتصورين.
لكنني، يا ابنتي، أريدكِ أن تنظري إلى الأمر من زاوية أخرى.
أريدكِ أن تعرفي أنني فخور بكِ اليوم أكثر من أي وقت مضى.
فخور لأنكِ اجتهدتِ.
فخور لأنكِ اعتمدتِ على نفسكِ.
فخور لأنكِ رفضتِ أن تأخذي مكان غيركِ بالغش.
فخور لأنكِ لم تختاري الطريق السهل حين كان الطريق الصعب هو طريق الكرامة.
وفخور أكثر لأنكِ حافظتِ على نفسكِ وقيمكِ في زمن أصبحت فيه بعض القيم النبيلة تبدو، للأسف، غريبة وسط عالم يظن فيه البعض أن الغاية تبرر الوسيلة.
نعم يا ابنتي، قد تكون هناك اختلالات في مباريات الطب أو في امتحانات أخرى، وقد يشعر الإنسان أمامها بمرارة الظلم والإقصاء، لكن تذكري دائمًا أن النجاح الذي يُبنى على الغش لا يصنع إنسانًا ناجحًا، وأن من يصل إلى مكان لا يستحقه سيظل يحمل داخله سؤالًا لا يستطيع الهروب منه: هل أنا هنا لأنني كنت الأفضل، أم لأنني أخذت مكان من كان يستحق؟
قد ينجح الغشاش في امتحان، وقد يحصل على نقطة، وقد يتقدم خطوة، وقد يصفق له البعض… لكن الحقيقة لا تموت، والواقع لا يمكن خداعه إلى الأبد.
أما أنتِ، فحتى إن تعثرتِ اليوم، فقد ربحتِ شيئًا أثمن من نقطة في امتحان وأغلى من مقعد دراسي: ربحتِ نفسكِ.
وهذا، يا ابنتي، أعظم انتصار.
يكفيني أنكِ لم تغشي رغم أن الفرصة كانت متاحة.
يكفيني أنكِ لم تسرقي جهد غيركِ.
يكفيني أنكِ لم تبني مستقبلكِ على ظلم إنسان آخر.
يكفيني أنكِ اخترتِ أن تنجحي بعرقكِ، أو أن تتعثري بكرامتكِ، بدل أن تصلي إلى هدفكِ على حساب حق إنسان آخر.
هذه قيم عظيمة، وقد تبدو قليلة في هذا الزمن، لكنها هي التي تبني الأوطان، وهي التي تهزم الفساد، وهي التي تجعل الإنسان قادرًا على الوقوف أمام نفسه وأمام الناس وأمام الله دون خجل.
يا ابنتي،
إذا لم يُكتب لكِ أن تخدمي وطنكِ من بوابة الطب، فلا تظني أبدًا أن حلمكِ انتهى.
الوطن أكبر من مهنة، وأوسع من تخصص، وأرحب من مباراة.
خدمة الوطن ليست محصورة في مستشفى، ولا في إدارة، ولا في منصب.
الوطن يحتاج إلى الطبيب، لكنه يحتاج أيضًا إلى الأستاذ، والمهندس، والباحث، والصحافي، والمحامي، والموظف النزيه، والعامل الشريف، وكل إنسان يؤدي واجبه بإخلاص.
بل إن خدمة الوطن قد تكون أحيانًا في أبسط الأشياء؛ في كلمة طيبة، أو موقف نبيل، أو مساعدة إنسان، أو إزالة حجر من الطريق، أو وضع قطعة من النفايات في مكانها الصحيح، أو تقديم نموذج جميل أمام طفل يتعلم منكِ أن الخير ممكن، وأن الإنسان يستطيع أن يكون نافعًا دون أن ينتظر مقابلًا.
لا تستهيني أبدًا بأي عمل شريف.
فالأوطان لا تبنى فقط بالإنجازات الكبيرة، وإنما تبنى أيضًا بملايين الأفعال الصغيرة التي يقوم بها أناس صادقون كل يوم.
ومن خلالكِ، يا ابنتي، أوجه رسالة إلى كل شاب وفتاة شعروا يومًا بالظلم، وإلى كل من اجتهد ولم يجد طريقه مفروشًا بالعدل:
لا تجعلوا الظلم يسرق أحلامكم.
لا تسمحوا للغش أن يقنعكم بأن النزاهة ضعف.
لا تجعلوا فشل محاولة واحدة يقتل فيكم ألف محاولة قادمة.
ولا تسمحوا لمن أفسدوا الطريق أن يقنعوكم بأن الطريق كله فاسد.
أنتم حلم هذا الوطن في الانعتاق من الغش.
أنتم الأمل في استعادة تكافؤ الفرص.
أنتم الحصن الذي يحمي المستقبل من لوبيات الفساد.
أنتم جنود العلم الحقيقي، لا جنود الحيل والتحايل.
أنتم من سيحمل الوطن غدًا.
أنتم فخرنا.
أنتم عزنا.
أنتم المستقبل الحقيقي الذي نريده أن يُبنى على أسس متينة من العلم والأخلاق والاستحقاق.
فلا تدعوا اليأس يتسلل إلى قلوبكم.
كونوا فخورين بأنفسكم لأنكم لم تغشوا، وليس العكس.
لا تخجلوا من تعثر مؤقت، ولا تحزنوا لأنكم اخترتم الطريق النظيف.
قد يبدو طريق الغش أقصر، وقد يبدو طريق التحايل أسرع، لكن الطرق المختصرة التي تُبنى على الظلم لا تقود إلى النجاح الحقيقي، وإنما تقود في النهاية إلى فراغ كبير لا يملؤه منصب ولا شهادة ولا مال.
أما الطريق الذي تمشون فيه بعلمكم وضمائركم، فقد يكون أطول، وقد يكون أكثر تعبًا، لكنه الطريق الذي يستحق أن يُمشى.
ابنتي العزيزة،
لا تنظري إلى الخلف طويلًا.
خذي من هذه التجربة درسًا، لا جرحًا.
واجعلي من الألم قوة، ومن الحسرة دافعًا، ومن الظلم سببًا لمزيد من الاجتهاد، لا سببًا للاستسلام.
واستمري في الطريق الصحيح، مهما كانت المغريات، ومهما بدا لكِ أن الآخرين سبقوكِ بطرق لا تستحق.
فأنا أؤمن بكِ.
وأثق في قدراتكِ.
وأعرف أن مستقبلكِ لا تحدده مباراة واحدة، ولا نقطة واحدة، ولا نتيجة واحدة.
إن مستقبلكِ تحدده شخصيتكِ، وعلمكِ، وإصراركِ، وأخلاقكِ، وقدرتكِ على النهوض كلما سقطتِ.
وأريدكِ أن تتذكري دائمًا أنني سأكون فخورًا بكِ في كل الأحوال، لكنني سأظل أكثر فخرًا بكِ كلما رأيتكِ تختارين النزاهة حين يكون الغش أسهل، وتختارين الصبر حين يكون اليأس أقرب، وتختارين الاعتماد على نفسكِ حين يعرض عليكِ البعض طرقًا مختصرة لا تليق بكِ.
يا ابنتي…
قد لا أستطيع أن أضمن لكِ أن الحياة ستكون عادلة دائمًا، لكنني أستطيع أن أطلب منكِ شيئًا واحدًا:
كوني أنتِ عادلة، حتى عندما لا تكون الحياة عادلة معكِ.
كوني نزيهة، حتى عندما يغريكِ الآخرون بالغش.
كوني قوية، حتى عندما يؤلمكِ الظلم.
واستمري في الحلم، حتى عندما يبدو الحلم بعيدًا.
فأنا لا أريدكِ أن تكوني فقط ناجحة في الحياة…
أريدكِ أن تكوني إنسانة ناجحة تستحق نجاحها.
وهذا وحده، يا ابنتي، يجعلني أقف أمامكِ اليوم، وكل يوم، وأقول لكِ بكل فخر:
أنتِ ابنتي، وأنتِ فخري، وأنتِ واحدة من أجمل الآمال التي أراهن عليها في مستقبل هذا الوطن.
فلا تنكسري…
ولا تيأسي…
ولا تتخلي عن حلمكِ…
فربما أغلق في وجهكِ اليوم باب، لكن أبواب الحياة كثيرة، وما دام في قلبكِ علم، وفي عقلكِ طموح، وفي روحكِ أخلاق، وفي يديكِ إرادة، فإن الطريق أمامكِ ما زال طويلًا وجميلًا.
وأنا، يا ابنتي، سأظل فخورًا بكِ… ليس لأنكِ نجحتِ في امتحان، بل لأنكِ نجحتِ في أن تبقي إنسانة نزيهة في زمن يحتاج فيه الوطن إلى أمثالكِ أكثر من أي وقت مضى.
أبوكِ الذي يحبكِ،
ويؤمن بكِ،
ويفخر بكِ وبأمثالك من أبناء الوطن
اليوم، وغدًا، ودائمًا.
والد طالبة من ربوع هذا الوطن

error: Content is protected !!