حين يصطدم الانطباع عن السياحة بالشمال بالواقع

هالةانفو. بقلم : محمد اليطفتي

ليس كل ما يقال عن واقع السياحة في شمال المملكة يعكس بالضرورة حقيقة ما يجري على الأرض، ولا كل حديث عن تراجع أو اضطراب سياحي يمكن أن يتحول، بمجرد تكراره، إلى حقيقة ثابتة. فالواقع الميداني يظل هو الفيصل، والأرقام والحركة الفعلية للمدن والمرافق السياحية أبلغ من الانطباعات التي قد تتشكل في ظرف استثنائي أو تحت تأثير صور متداولة في الفضاء الرقمي.

ومن هذا المنطلق، تبدو المقاربة التي تربط ما عرفته سبتة المحتلة من أحداث خلال الأيام الأخيرة بأزمة واسعة أصابت السياحة في شمال المملكة مقاربة تحتاج إلى كثير من التدقيق. فالمشهد على الأرض لا يقدم، في مجمله، الصورة التي حاولت بعض القراءات الإعلامية رسمها؛ بل إن الحركة السياحية في مختلف مناطق الشمال واصلت حضورها الطبيعي، وظلت المدن والمناطق السياحية تستقبل زوارها، فيما استمرت المطاعم والمقاهي والوحدات الفندقية ومختلف الأنشطة المرتبطة بالسياحة في أداء وظائفها المعتادة.

إن تحويل حدث وقع في محيط جغرافي محدد إلى عنوان لأزمة سياحية تمتد إلى شمال المملكة برمته، يحتاج إلى أدلة ومعطيات دقيقة، لا إلى شهادات انطباعية أو تقديرات فردية يصعب تعميمها على قطاع كامل. فالسياحة منظومة واسعة، وقياس وضعها لا يتم من خلال حالة مؤسسة أو وحدة أو بضعة حجوزات، وإنما من خلال مؤشرات موضوعية تشمل نسب الملء الفندقي، وتدفق الزوار، وحركة النقل، والمطاعم، والمرافق السياحية، وحجم الاستهلاك السياحي، وغيرها من المعايير التي تسمح بإصدار حكم متوازن.

والواقع أن شمال المملكة لم يتحول، بسبب ما وقع في سبتة، إلى منطقة سياحية متضررة أو وجهة فقدت جاذبيتها. فالمدن الشمالية ظلت حاضرة في المشهد السياحي الوطني، وظلت الشواطئ والمرافق والفضاءات السياحية تعرف حركتها، واستمرت الحياة الاقتصادية في مسارها الطبيعي. ومن ثم، فإن الحديث عن “أزمة سياحية” بالمعنى الذي يوحي به بعض المنابر الإعلامية لا يبدو منسجما مع حقيقة المشهد الميداني.

بل إن بعض المنابر الإعلامية نفسها، حين تستند إلى شهادات تتحدث عن عودة النشاط واستعادة الحركة الاقتصادية والخدماتية لمسارها الطبيعي، تقدم من حيث لا تقصد ما يضعف فرضية الأزمة الواسعة التي تحاول تكريسها. فإذا كانت الحياة السياحية والاقتصادية قد واصلت نشاطها، وإذا كان الحديث عن اضطراب محدود زمنيا، فكيف يمكن تحويل ذلك إلى صورة عامة عن قطاع سياحي شمالي أصيب بانتكاسة؟

ثم إن ربط الحجوزات المؤجلة أو الاستفسارات الفردية بالأحداث، من دون تقديم معطيات إجمالية وموثوقة، لا يكفي لإثبات وجود تراجع سياحي عام. فمن الطبيعي أن تطرأ تغيرات على بعض الحجوزات في أي موسم سياحي نتيجة عوامل متعددة، ولا يمكن تلقائيا إرجاع كل تغيير إلى واقعة واحدة، خصوصا عندما يتعلق الأمر بوجهة سياحية واسعة ومتنوعة مثل شمال المملكة.

إن الإعلام المهني لا يكتفي بجمع الشهادات، مهما كانت أهميتها، وإنما يضعها في سياقها ويختبر مدى قابليتها للتعميم. فشهادة صاحب وحدة سياحية عن وضع مؤسسته تظل شهادة مهمة، لكنها لا تصبح، بمجرد نشرها، مؤشرا إحصائيا على وضع السياحة في إقليم بأكمله، فضلا عن أن تتحول إلى حكم على السياحة في شمال المملكة برمته.

والأمر ذاته ينطبق على الحديث عن نسب مرتفعة من الخسائر دون إسنادها إلى معطيات محاسبية أو إحصائية شاملة. فالأرقام، عندما تطرح في المجال العام، تحتاج إلى مصادر ومنهجية واضحة، لأن الرقم غير المؤسس يمكن أن يكون أكثر تضليلا من الانطباع نفسه.

لقد أصبح شمال المملكة، خلال السنوات الأخيرة، واحدا من أبرز الأقطاب السياحية بالمغرب، بفضل ما عرفه من أوراش كبرى وتطور في البنيات التحتية وتعزيز لجاذبيته السياحية. وهذه المكانة لا يمكن أن تهتز بمجرد أحداث ظرفية تقع في مجال جغرافي مجاور، ولا يمكن أن تُختزل جاذبية طنجة وتطوان والمضيق والفنيدق وشفشاون وباقي المناطق الشمالية في مشاهد استثنائية جرى تداولها على مواقع التواصل الاجتماعي.

كما أن من غير المنطقي التعامل مع السياحة باعتبارها نشاطا هشّا إلى درجة أن واقعة عابرة في منطقة حدودية قادرة، خلال أيام قليلة، على إسقاط الثقة في وجهة سياحية تمتد على رقعة جغرافية واسعة وتستند إلى مقومات طبيعية وثقافية واقتصادية متراكمة.

إن المطلوب، في مثل هذه القضايا، ليس صناعة أزمة إعلامية من واقعة لم تتحول إلى أزمة سياحية على أرض الواقع، وإنما ممارسة النقد المهني الهادئ القائم على الوقائع. فالشمال ليس صورة على شاشة هاتف، وليس مشهدا عابرا على مواقع التواصل الاجتماعي؛ الشمال مدن عامرة، ومؤسسات فندقية، ومطاعم ومقاه، وشواطئ وفضاءات سياحية، وحركة اقتصادية يومية يمكن لأي متابع للمشهد أن يلمس استمرارها.

ومن حق الرأي العام أن يعرف حقيقة ما جرى، لكن من حقه أيضا ألا تُقدّم له صورة أكبر من الواقع. فالتهويل لا يخدم السياحة، ولا يخدم المهنيين، ولا يخدم المنطقة، ولا يخدم حتى النقاش العمومي حول الهجرة.

وإذا كان الإعلام مطالبا برصد التداعيات المحتملة للأحداث، فهو مطالب بالقدر نفسه بألا يصنع تداعيات غير موجودة، وألا يمنح واقعة محدودة حجما لا تؤكده الوقائع.

إن الحقيقة التي تفرض نفسها من خلال المشهد الميداني هي أن السياحة في شمال المملكة لم تعرف تلك الأزمة التي حاولت بعض المقاربات الإعلامية الإيحاء بها. والحركة المستمرة في مختلف المدن والمناطق السياحية، واستمرار تدفق الزوار، واستقرار الحياة الاقتصادية، كلها معطيات تجعل من الضروري مراجعة تلك الصورة المبالغ فيها.

فالواقع أقوى من العناوين، والميدان أصدق من الانطباعات، والحقيقة لا تحتاج إلى تضخيم حتى تكون مقنعة.

وفي الشمال، كما في باقي جهات المملكة، تبقى السياحة عنوانا للاستقرار والانفتاح والحيوية الاقتصادية، ولا ينبغي لحدث عابر، مهما كانت طبيعته، أن يتحول إعلاميا إلى أزمة لا وجود لها في الواقع.

error: Content is protected !!