في المغرب، لا يأتي المولد النبوي الشريف عابراً في الزمن، ولا يُختزل في مناسبة دينية تؤدى طقوسها ثم تنقضي.
إنه موعد تتجدد فيه صلة المغاربة بسيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، وتستعيد فيه المملكة واحدة من أعمق صور خصوصيتها الدينية والحضارية إمارة المؤمنين ،وهي تحيي ذكرى مولد خير البرية، في امتداد لتقليد ديني عريق دأب الملوك العلويون بخاصة على صونه وتعاهده والاحتفاء به.
وفي الحفل الديني المهيب، الذي ترأسه أمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، مساء الاثنين بالقصر الملكي العامر بالرباط، إحياءً لذكرى المولد النبوي الشريف، لم يكن المشهد مجرد احتفال ديني رسمي، وإنما كان تجسيداً لاستمرارية واحدة من أخص خصائص الدولة المغربية في علاقتها بالدين والرسول الكريم صلى الله عليه وسلم.
فالمغرب، الذي ارتبطت فيه إمارة المؤمنين بالانتساب الشريف إلى الدوحة النبوية، جعل من محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم والاقتداء به وتعظيم سنته جزءاً أصيلاً من وجدانه الديني، ومن تقاليد ملوكه وأسرته الملكية الشريفة.
ومن هنا، فإن احتفال الملوك العلويين بخاصة بالمولد النبوي ليس تقليداً مستحدثاً، وإنما هو امتداد لسيرة ملكية مغربية عريقة في تعظيم هذه الذكرى والاحتفاء بها.
لقد حافظ ملوك المغرب، جيلاً بعد جيل، على إحياء ذكرى مولد الرسول صلى الله عليه وسلم، في تعبير يجمع بين المحبة والتوقير والاقتداء.
وكانت الأسرة الملكية، عبر عقود من الزمن ، تحرص على أن تكون كل فضاءات المملكة فضاءً مفتوحا للاحتفاء بالسيرة النبوية والمدائح الشريفة و حضرة العلماء وأهل المعرفة، حتى أصبح المولد النبوي أحد المواعيد البارزة التي تتجلى فيها خصوصية التدين المغربي.
وهنا تحديداً تظهر قيمة الاستثناء المغربي.
فالمغرب لم يبنِ علاقته بالدين على الانفعال العابر، وإنما على منظومة متكاملة رسختها إمارة المؤمنين، وأطرها المذهب المالكي، وأغنتها العقيدة الأشعرية، وصاغ التصوف السني جانباً من وجدانها الروحي، وحمل العلماء عبر القرون علومها ومعارفها إلى الأجيال.
إنها مدرسة دينية لا تفصل بين المحبة والاقتداء، ولا بين العبادة والأخلاق، ولا بين العلم والسلوك.
ولذلك فإن تخليد المولد النبوي في المغرب لا ينبغي أن يُقرأ فقط باعتباره احتفاءً بذكرى تاريخية، بل باعتباره مناسبة لإعادة وصل الحاضر بالسيرة النبوية، واستحضار القيم التي جاء بها الرسول صلى الله عليه وسلم: الرحمة، والتسامح، وحسن المعاملة، والصدق، والإحسان، وإعلاء شأن الإنسان.
ومن هنا تأتي أهمية الخطاب الذي قدمه وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية أحمد التوفيق خلال هذه المناسبة، وما تضمنه من استحضار لقضايا تجديد الخطاب الديني وتفعيل “خطة تسديد التبليغ”، وأدوار العلماء والأئمة والمساجد في صيانة الثوابت الدينية للمملكة.
فالتجديد، في التصور المغربي، لا يعني التخلي عن الأصل، بل يعني العودة إلى الأصل بوسائل جديدة؛ أي استحضار الهدي النبوي في بناء خطاب قادر على مخاطبة الإنسان المعاصر، وتحويل القيم الدينية إلى ممارسة وسلوك، وربط الإيمان بالحياة الطيبة والعمل الصالح.
وهذه إحدى نقاط القوة في النموذج المغربي: أنه لا يرى تعارضاً بين الأصالة والتجديد.
فالمذهب المالكي ليس مجرد انتماء فقهي، والعقيدة الأشعرية ليست مجرد عنوان كلامي، والتصوف السني ليس مجرد تراث روحي، وإمارة المؤمنين ليست مجرد امتداد تاريخي؛ وإنما تتكامل هذه العناصر جميعاً لتشكل مدرسة مغربية في التدين عنوانها الاعتدال، ومرجعيتها العلم، وروحها المحبة، وغايتها الإنسان الصالح والمجتمع المتوازن.
و المغاربة لا يحتفلون بمولده باعتباره حدثاً من الماضي فقط، وإنما يستحضرون فيه شخص الرسول الكريم وسيرته وأخلاقه وهديه. ولذلك ظلت السيرة النبوية حاضرة في التعليم الديني، وفي المجالس العلمية، وفي المدائح والأناشيد، وفي تقاليد الأسر والمجتمع، وفي الذاكرة الروحية للمغاربة.
ولعل أجمل ما في هذا التقليد أنه انتقل من جيل إلى جيل، ومن ملك إلى ملك، ومن عالم إلى عالم، ومن بيت مغربي إلى آخر، حتى صار المولد النبوي جزءاً من الوجدان المغربي نفسه.
إنها محبة متوارثة، ولكنها ليست محبة ساكنة؛ إنها محبة تدعو إلى الاقتداء.
فالاحتفاء برسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكتمل بكثرة الكلام عنه، وإنما بالعمل بهديه. وهذه هي الرسالة التي تجعل من المولد النبوي مناسبة متجددة لا مجرد ذكرى سنوية.
استمرارية ملوك المغرب في تعظيم هذه الذكرى، واستمرارية العلماء في خدمة السيرة النبوية، واستمرارية المغاربة في التعبير عن محبتهم للمصطفى صلى الله عليه وسلم، واستمرارية مدرسة دينية اختارت، منذ قرون، أن تجعل الاعتدال والوسطية والعلم والرحمة ركائز لتدينها.
وفي زمن تتعدد فيه القراءات والتأويلات، تزداد قيمة هذا الوضوح المغربي: أن يكون الاحتفاء بالنبي صلى الله عليه وسلم مناسبة لتجديد العهد بهديه، وأن يكون الدين باعثاً على الأخلاق والعمل الصالح، وأن يكون التجديد وفاءً للأصول لا قطيعة معها.
ذلك هو المعنى العميق للمولد النبوي في المغرب.
وذلك هو أيضاً سر استمرار هذه المناسبة في الوجدان الملكي والشعبي على السواء.
حفظ الله مولانا أمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله وأيده، وأدام عليه نعمة الصحة والعافية، وحفظ ولي عهده الأمير مولاي الحسن وسائر أفراد الأسرة الملكية الشريفة، وأعاد هذه الذكرى النبوية المباركة على جلالة الملك والأسرة الملكية الشريفة والشعب المغربي والأمة الإسلامية بالخير واليمن والبركات.