تكفي مشاهد ما جرى خلال اليومين الأخيرين في سبتة المغربية السليبة، كما نقلتها الصحافة الإسبانية نفسها، لطرح أكثر من سؤال حول حقيقة الخطاب الأوروبي بشأن حقوق الإنسان، وحول الحدود الفاصلة بين تدبير أزمة الهجرة وبين الانزلاق إلى الكراهية والعنف.
فقد شهدت شواطئ سبتة اقتحام محتجين لمخيمات المهاجرين، وتخريب وإحراق بعض ممتلكاتهم، بل ومحاولة عرقلة وصول مساعدات الصليب الأحمر إلى أشخاص يعيشون في ظروف إنسانية قاسية. وهي وقائع لم تأت من مصادر مجهولة، بل نقلتها وسائل إعلام إسبانية واسعة الانتشار، قبل أن تضطر الشرطة إلى التدخل لاحتواء الوضع.
إننا لا ندافع عن الهجرة غير النظامية، ولا نتجاهل حق السلطات في معالجة تداعياتها وفق القانون، لكننا نرفض أن تتحول الأزمات الاجتماعية إلى مبرر لاستهداف الإنسان، أو أن يصبح المهاجر الإفريقي الحلقة الأضعف في معادلة سياسية وأمنية معقدة.
والأخطر من ذلك أن المشهد يجري في مدينة مغربية محتلة، تستعملها إسبانيا منذ عقود باعتبارها جزءا من فضائها الأوروبي، فيما تكشف الأحداث المتتالية أن شعارات دولة القانون وحقوق الإنسان تصبح، أحيانا، أمام اختبار حقيقي حين يتعلق الأمر بالآخر المختلف في اللون والأصل والموقع الاجتماعي.
إن سبتة لا تحتاج إلى مزيد من التحريض، وإنما تحتاج إلى تغليب صوت العقل والمسؤولية. كما أن معالجة ملف الهجرة لا تكون بإحراق الخيام ومطاردة المستضعفين، وإنما بسياسات واضحة، وباحترام الكرامة الإنسانية، وبالتعاون مع المغرب باعتباره الطرف الأساسي في أي معالجة واقعية ومستدامة لهذه الإشكالية.
وإذا كانت إسبانيا تريد أن تقدم نفسها بوصفها دولة تحترم حقوق الإنسان، فإن عليها أولا أن تنظر إلى ما يحدث في سبتة، وأن تدرك أن حقوق الإنسان ليست شعارا انتقائيا، ولا امتيازا تمنحه الجغرافيا، بل قيمة إنسانية لا تتجزأ.
أما سبتة، فستظل في الوعي المغربي مدينة مغربية محتلة، مهما طال الزمن، ومهما حاولت الجغرافيا السياسية أن تؤجل سؤال السيادة؛ وما تكشفه أحداثها اليوم ليس فقط أزمة هجرة، بل أيضا أزمة في الخطاب والممارسة، وفي صورة أوروبا التي تريد أن تقنع العالم بأنها النموذج الأسمى في احترام الإنسان.