حسناء داود: سادنة الوثيقة وشعلة العلم المتقدة في تطوان

هالة انفو. بقلم :عبد العزيز حيون

تمثل المؤرخة و الباحثة التطوانية الأستاذة حسناء داود قامة ثنائية الفرادة في المشهد الثقافي المغربي والعربي، و هي امتداد لبيت معرفة وعلم عريق، بل هي مؤسسة قائمة بذاتها في حفظ الذاكرة الوطنية وخدمة التراث الحضاري للمغرب عامة .
نشأت الأستاذة حسناء داود في حاضرة تطوان بين ربوع العلم والتاريخ، ورضعت شغف المعرفة من والدها مؤرخ تطوان وعلامتها الكبير شيخ العلماء محمد داود، لتصير حارسة أمينة على إرثه الفكري، وشعلة علمية متقدة ينبعث منها الضياء والرصانة.
تتميز حسناء داود بشخصية مثقفة ورزينة، مقتصدة في الكلام بطبعها والحد الأدنى من الظهور، لكنها غنية وفيرة في عطائها الثقافي الميداني ،الذي ينال الإجلال والتوقير والتقدير من كل مثقفي المغرب بدون استثناء.. و تتجلى في منهجها البلاغة الحقيقية بالعمل لا بالقول، إذ لا تكاد تنتهي من مشروع ثقافي وازن إلا وتشرع فورا في مشروع آخر بنفس الدأب والشغف.
وقد تجلّت دقتها العلمية الشديدة وتمحيصها وبحثها العميق في إخراج أمهات مصنفات أبيها العلامة محمد داود ونشرها للمكتبة العربية في أبهى حلة تحقيقية وأكثرها ضبطا وتدقيقا ،وهو فعل ثقافي نسائي قلما نراه في عالمنا العربي .
وفي كل محطة فارقة وفي نقطة تحول جوهرية في مسار الاستاذة حسناء دواد تؤكد مكانتها العلمية والاجتماعية، وتكلل ذلك منذ سنة 2004 حين اخيرت كأول امرأة تتسلم عضوية المجلس العلمي المحلي بتطوان.
وتأسيس مؤسسة داود للتاريخ والثقافة له أكثر من معنى ثقافي وعلمي ، لأنه صرح أقامته مربية الأجيال ليكون حاضنة علمية ومنارة رئيسية للبحث التاريخي ،وذلك يعكس شغفها اليومي الذي لا يفتر و سهرها الدؤوب على تصنيف وفهرسة وحفظ آلاف الوثائق النادرة والمخطوطات التاريخية النادرة لتكون رهن إشارة الآلاف من الاساتذة الباحثين والطلبة من كل ربوع المملكة للنهل من المعرفة ..وهي رحلة مستمرة في الزمن بدون توقف وهي في السبعينيات من عمرها ،ماشاء الله، تعتمد على التواضع الفكري ونكران الذات .
و ترفد أستاذة الأجيال الفكر العربي بكنوز فكرية ووثائق نادرة كانت محجوبة أو معرضة للتلف، فأنقذتها بإخراجها العلمي المحكم ما يبرهن على كرمها الثقافي و تقديمها للذخائر العلمية ،بسخاء حاتمي ، في متناول أفواج الطلبة والباحثين وتسهيل سبل البحث أمامهم دون مقابل.
و تظل الأستاذة حسناء داود ،ليس فقط لمن يعايشها يوميا وإنما لمن يعرفها عبر جسور الفكر الفكر والثقافة ، نموذجا مرجعيا للمرأة المغربية المعتزة بأصالتها والمتفردة برصانتها وعطائها المستمر.
لقد استطاعت أستاذة الأجيال ،بجهدها الفردي والمؤسسي ، أن تحول الوثيقة التاريخية الصامتة إلى شريان معرفة حي، متوجة مسيرتها العلمية بصفة سادنة التراث التي تحرس ذاكرة المجتمع بكتمان تواضعي وعطاء لا ينضب.

error: Content is protected !!