سبتة السليبة.. امتحان جديد لصدقية خطاب حسن الجوار

هالة انفو. بقلم : محمد اليطفتي

لم يكن الخطاب الذي ألقاه العاهل الإسباني في سبتة السليبة، أمس، مجرد محطة بروتوكولية في زيارة ملكية طال انتظارها، بل حمل رسائل سياسية واضحة، سعى من خلالها إلى تثبيت الموقف الإسباني من وضع المدينة، حين أكد أن السيادة عليها وعلى مليلية غير قابلة للتفاوض، وأنهما جزء لا يتجزأ من الواقع السياسي والوطني الإسباني. وهو موقف، وإن عبّر عن التصور الرسمي لمدريد، فإنه لا يُنهي النقاش التاريخي والسياسي بشأن مدينتين ظلتا حاضرتين في الذاكرة الوطنية المغربية، ولا يجعل من التصريحات الأحادية بديلاً عن الحوار المسؤول بشأن القضايا العالقة بين البلدين.

إن المغرب، الذي اختار على الدوام نهج الحكمة وضبط النفس في تدبير علاقاته الدولية، لا يحتاج إلى رفع نبرة الخطاب حتى يؤكد تشبثه بثوابته الوطنية وحقوقه التاريخية. فالدبلوماسية المغربية، بقيادة صاحب الجلالة الملك محمد السادس، تقوم على وضوح المواقف، وصيانة المصالح العليا للمملكة، والانفتاح على الشراكات التي تحقق الاستقرار والتنمية، دون التفريط في الذاكرة الوطنية أو التنازل عن القضايا التي تستحضرها الأجيال المتعاقبة باعتبارها جزءاً من وجدان البلاد وتاريخها.

ومن هذا المنطلق، فإن الحديث عن سبتة السليبة لا ينبغي أن يتحول إلى سجال انفعالي عابر، كما لا يجوز أن يُختزل في مجرد رد فعل على خطاب ملكي. إنها قضية تستدعي قراءة استراتيجية هادئة، تستحضر التحولات التي تعرفها المنطقة، ومكانة المغرب المتنامية، وطبيعة العلاقات المغربية الإسبانية، فضلاً عن التحديات المشتركة التي تفرض على البلدين بناء مستقبل قائم على الثقة والاحترام المتبادل.

ولئن شدد العاهل الإسباني على أن علاقات الجوار مع المغرب ينبغي أن تقوم على الثقة وحسن النية والاحترام المتبادل، فإن هذه المبادئ لا يمكن أن تكون انتقائية، ولا أن تُستحضر فقط عندما يتعلق الأمر بالمصالح الإسبانية. فالاحترام المتبادل يقتضي الإصغاء إلى انشغالات الطرف الآخر، وتفهم خلفيات مواقفه، والابتعاد عن كل خطاب من شأنه أن يكرس الأمر الواقع باعتباره حقيقة نهائية لا تقبل النقاش. وحسن الجوار ليس مجرد عبارة دبلوماسية جميلة، بل مسؤولية سياسية وأخلاقية تقتضي إرادة حقيقية لتدبير الخلافات، لا الاكتفاء بتأكيد المواقف القائمة.

والمغرب، بما راكمه من تجربة في تدبير الملفات الإقليمية والدولية، وبما أبان عنه من مسؤولية في التعامل مع قضايا الأمن والاستقرار والهجرة، لا يمكن اختزاله في دور الجار الذي يُطلب منه التعاون حين تقتضي الحاجة، ثم يُنتظر منه الصمت حين تُثار قضايا تمس ذاكرته الوطنية وحساسيته التاريخية. فالشراكة المغربية الإسبانية أوسع من أن تُختزل في مراقبة الحدود أو تدبير تدفقات الهجرة، وأعمق من أن تُختبر بخطابات ظرفية، إنها علاقة استراتيجية تتطلب رؤية بعيدة المدى، وإدراكاً متبادلاً بأن الاستقرار الحقيقي لا يقوم على تجاهل الملفات الخلافية، بل على حسن إدارتها بروح المسؤولية.

وفي هذا السياق، فإن قوة الموقف المغربي لا تكمن في الانجرار إلى منطق التصعيد اللفظي، ولا في تبادل الشعارات، وإنما في مواصلة تعزيز الجبهة الوطنية، وتحصين المكتسبات الدبلوماسية، وتطوير القدرات الاقتصادية والاستراتيجية للمملكة، بما يجعلها أكثر قدرة على الدفاع عن مصالحها في عالم لا يعترف إلا بالدول التي تجمع بين وضوح الرؤية وقوة المؤسسات وفعالية الأداء.

كما أن التحولات التي تعرفها منطقة مضيق جبل طارق، والدينامية الاقتصادية التي تقودها المملكة في شمالها، والمشاريع المينائية واللوجستية الكبرى، تجعل من الضروري التفكير في مستقبل المنطقة بمنطق التكامل والاستقرار، بعيداً عن الحسابات الضيقة. فالجغرافيا تفرض الجوار، والمصالح المشتركة تفرض التعاون، لكن التاريخ يظل حاضراً في تشكيل الوعي الوطني، ولا يمكن تجاوزه بمجرد إعلان موقف سياسي من جانب واحد.

إن الرسالة التي ينبغي أن تُقرأ بوضوح في الرباط ومدريد معاً هي أن المغرب لا يضع حسن الجوار في مواجهة حقوقه التاريخية، كما لا يعتبر التعاون الاستراتيجي تنازلاً عن ثوابته. فالدول الواثقة من نفسها هي التي تستطيع الجمع بين الحوار والتمسك بالمبادئ، وبين الانفتاح على المستقبل والوفاء للذاكرة، وبين التعاون مع الشركاء والدفاع عن مصالحها الوطنية.

وإذا كان الخطاب الملكي الإسباني قد أكد أن سبتة ومليلية تمثلان جزءاً من التصور الوطني الإسباني، فإن ذلك لا يلغي حق المغرب في التمسك برؤيته التاريخية والسياسية بشأن المدينتين، ولا يعفي البلدين من مسؤولية التفكير في مستقبل علاقاتهما بروح الواقعية السياسية وبعد النظر.

فالتاريخ لا يُمحى بالتصريحات، والقضايا الوطنية لا تُحسم بمجرد إعلان المواقف، وحسن الجوار لا يُبنى على مطالبة طرف باحترام ثوابت الطرف الآخر مع تجاهل ثوابته هو. وبين المغرب وإسبانيا، تظل الحكمة أن تُدار الخلافات بعقل الدولة، وأن يُترك للمستقبل ما يستوجب الحوار، دون أن يكون التعاون ذريعة للنسيان أو الاختلاف مبرراً للتصعيد.

error: Content is protected !!