سبتة السليبة.. انتشار عداوى متعددة يكشف هشاشة المقاربة الصحية واختلال البعد الإنساني

هالة انفو. بقلم : محمد اليطفتي

إن انتشار عداوى متعددة بسبتة السليبة يثير جملة من التساؤلات المقلقة حول نجاعة المقاربات الصحية المعتمدة من طرف المسؤولين المحليين، ومدى قدرتهم على رصد المخاطر الوبائية والتعامل معها بالجدية والاستباقية اللازمتين. فحين تتعدد بؤر القلق الصحي، وتتزايد المخاوف من تفشي أمراض مختلفة، يصبح من المشروع التساؤل عن مدى فعالية منظومة الوقاية والمراقبة والتكفل، وعن حدود المسؤولية المؤسساتية في حماية الصحة العامة، بعيداً عن منطق التدبير الظرفي وردود الفعل المتأخرة.

إن خطورة هذه التطورات لا تكمن فقط في تعدد العداوى وما قد يترتب عنها من تداعيات صحية، وإنما أيضاً في ما يمكن أن تكشفه من اختلالات محتملة في تدبير الأوضاع الصحية والاجتماعية للفئات الهشة، وفي مقدمتها المهاجرون الذين يعيشون ظروفاً صعبة، تفتقر في كثير من الأحيان إلى الحد الأدنى من شروط العيش الكريم والرعاية الصحية الملائمة. وهي أوضاع لا يمكن التعامل معها بمنطق التجاهل أو المقاربات الأمنية الضيقة، لأن الصحة العامة لا تقبل التجزئة، ولأن المخاطر الوبائية لا تعترف بالفوارق الاجتماعية ولا تتوقف عند الحدود التي تفصل بين فئة وأخرى.

ومن هنا، فإن أي تقصير في توفير الرعاية الصحية الضرورية، أو في اعتماد تدابير الوقاية والكشف المبكر والتدخل العاجل، من شأنه أن يفاقم المخاطر ويزيد من احتمالات انتشار الأمراض، بما يجعل حماية صحة المهاجرين جزءاً لا يتجزأ من حماية الصحة العامة للمجتمع برمته. فالتعامل المسؤول مع العداوى المتعددة يقتضي تعبئة الإمكانات الطبية واللوجستيكية، وتعزيز المراقبة الصحية، وضمان شروط النظافة والإيواء الملائمة، فضلاً عن توفير العلاج الضروري لكل المصابين والمشتبه في إصابتهم، وفقاً للمعايير الصحية والإنسانية المعمول بها.

غير أن البعد الصحي، على أهميته، لا ينفصل عن البعد الإنساني والأخلاقي. فالنظرة الدونية تجاه المهاجرين، والاستهتار بأوضاعهم، والتعامل مع معاناتهم باعتبارها شأناً هامشياً، كلها ممارسات تتعارض مع أبسط مبادئ الكرامة الإنسانية، وتطرح أسئلة عميقة حول مدى الالتزام الفعلي بحقوق الإنسان حين يتعلق الأمر بفئات لا تتوفر على وسائل كافية للدفاع عن حقوقها. فالمهاجر، مهما كانت جنسيته أو وضعيته الاجتماعية والقانونية، يظل إنساناً له الحق في العلاج والحماية والعيش في ظروف تحفظ كرامته، ولا يجوز أن يتحول ضعفه إلى ذريعة لتهميشه أو حرمانه من الرعاية اللازمة.

إن انتشار عداوى متعددة بسبتة السليبة يستدعي، تبعاً لذلك، أكثر من مجرد إجراءات استعجالية لاحتواء المخاطر الصحية؛ إنه يفرض مراجعة جدية للمقاربات المعتمدة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، والوقوف على مدى احترام التدابير الوقائية والصحية، مع ضمان الشفافية في إخبار الرأي العام بحقيقة الوضع وتطوراته، استناداً إلى المعطيات الطبية الموثوقة. كما يقتضي وضع الإنسان في صلب السياسات الصحية والاجتماعية، بعيداً عن كل أشكال التمييز أو الانتقائية في تقديم الخدمات الأساسية.

فالأوبئة والعداوى لا تواجه بالتجاهل، ولا تُحتوى بسياسات الإقصاء، ولا يمكن الحد من مخاطرها في ظل ظروف اجتماعية وصحية هشة. وحدها الوقاية الفعالة، والتكفل الطبي المسؤول، واحترام الكرامة الإنسانية، كفيلة بالحد من انتشار الأمراض وحماية المجتمع بأكمله. أما ترك الفئات الهشة في مواجهة مصيرها، فإنه لا يمثل فقط إخلالاً بالواجب الإنساني، بل قد يتحول أيضاً إلى ثغرة خطيرة في منظومة الصحة العامة، تكون كلفتها أكبر من أن تتحملها أي جهة أو فئة بمفردها.

error: Content is protected !!