ازدواجية المقاييس في الوعود الانتخابية: سبتة شماعة للمزايدة السياسية للحزب الشعبي الإسباني
هالة انفو. بقلم:عبد العزيز حيون
في سوق المزايدات الانتخابية، تصاغ البرامج السياسية عادة بلغة الأرقام والحلول العملية لاستمالة الناخبين، لكن بالنسبة للحزب الشعبي الإسباني (PP)، فإن التعاطي مع ثغر سبتة السليبة يتبع دائما أجندة خاصة.
أجندة تجعل من هذه المدينة المغربية السليبة منطلقا للهجوم السياسي وورقة للضغط الخارجي، بينما تتبخر في أزقتها كل الخُطط التنفيذية المتكاملة التي يبشر بها الحزب في “بقية إسبانيا”.
فعند استعراض المقترحات الأخيرة للحزب الشعبي المتعلقة بقطاع السكن، يظهر الفارق الجوهري في طريقة التفكير ،في شبه الجزيرة الإيبيرية: أسهب الحزب في عرض إستراتيجية سكنية شاملة تتضمن تسهيل الإجراءات القانونية، وتشجيع الاستثمار، وتقديم تحفيزات ضريبية لضمان سكن لائق للمواطنين الإسبان حال فوزه في الانتخابات المقبلة…
أما في سبتة السليبة فاكتفى الحزب بلغة التعميم والهروب إلى الأمام، مصرحا بأن “نقص الأراضي المتاحة، والصعوبات التي تواجه إنشاءات جديدة، والارتفاع الكبير في الأسعار، تجعل من الضروري الدفع بإجراءات تتكيف مع خصائص المدينة”.
و تستوقفنا هذه الصياغة لتكشف حجم العجز والضبابية؛ فبدلا من تقديم حلول هيكلية واقعية لمشكلة السكن المتفاقمة في سبتة السليبة، لجأ الحزب الشعبي إلى إعادة تشخيص المشاكل البديهية، متغاضيا عن الأسباب الجيوسياسية والعقارية التراكمية التي خلفها تهميش المدينة.
لم تكن سبتة يوما بالنسبة للحزب الشعبي مجرد ملف تنموي، بل كانت على الدوام حجر عثرة ومادة دسمة للمزايدة السياسية ضد المغرب.
ففي الوقت الذي يعجز فيه الحزب عن صياغة إستراتيجية تنموية تخرج المدينة من اختناقها الهيكلي، يفضل استغلال موقعها الجغرافي ووضعيتها الخاصة لاستعراض العضلات الانتخابية، عبر اتخاذها خطا دفاعيا أوليا في خطابه اليميني القائم على المباشرة السياسية، وتأجيج ملفات الهجرة ، وتوجيه الاتهامات المباشرة للمغرب للحصول على مكاسب انتخابية داخلية.
و الحديث عن “تكييف الإجراءات مع خصائص المدينة” دون وضع خارطة طريق محددة يعد اعترافا ضمنيا بمجموعة من الحقائق:
أولا، العزلة الجغرافية والاقتصادية: المدينة تعاني من حصار جيو-اقتصادي طبيعي وتاريخي، ومحاولة فصل مشاكلها عن أصلها المغربي يجعل أي خطة سكنية أو تنموية مجرد مسكنات مؤقتة.
ثانيا، شح العقار العمومي: أزمة الأراضي في سبتة السليبة ليست وليدة اللحظة، بل هي نتيجة مباشرة للطبيعة الجغرافية الضيقة والمحاصرة، وهو ما يعجز الخطاب الانتخابي المعسول عن تغييره.
ثالثا، السياسات الترقيعية: ترحيل المشاكل السكنية والاجتماعية إلى “خصوصية الوعاء العقاري” يهرب الحزب من التزاماته المالية والتشريعية الحقيقية تجاه قاطني المدينة السليبة.
خلاصة القول، يستمر الحزب الشعبي الإسباني في ممارسة هوايته المفضلة: استغلال الملفات السيادية لكسب أصوات الناخبين، وتوظيف سبتة السليبة كأداة للمناورة ضد المغرب، بينما يترك الإشكالات التنموية الحارقة لساكنة المدينة – وفي مقدمتها أزمة السكن – معلقة بوعود مطاطية وشعارات تفتقر للحلول العملية.
إن هذا التباين الحاد بين البرامج التفصيلية لإسبانيا والوعود المبهمة لسبتة السليبة يؤكد مرة أخرى أن المدينة بالنسبة لليمين الإسباني ليست سوى ورقة انتخابية وميدان لمزايدات خارجية، وليست مشروعا تنمويا يستهدف كرامة الإنسان وحقه في السكن والعيش الكريم.