قراءة : ديوان وجهي في النهر يدي في البياض للشاعر المغربي عبدالحق بن رحمون حين يصير الشاعر ” نوح” نفسه
هالة انفو. بقلم: سامح درويش شاعر من المغرب
كمن ينجو من طوفانٍ، يكتشف الشاعر المغربي عبد الحق بن رحمون طينه الخاص على مرتفعات الشعر، ويخطو على بياض بكر متخذا من الموجودات بشارة حياة وطوق نجاة، جاعلا من اللغة مسلكا لركوب سفينة التجلي التي ليست في النهاية سوى سفينة المجاز التي تمخر به عباب اللغة، ليكتشف الصبح ويكتشف معه أثر خطوه أي ليكتشف ضوء الشعر وتستيقظ فيه حواس الكتابة، كما لو أنه ” نوح” نفسه وتجربته في ممارسة وجود فيزيقي وشعري يربط منذ البدء ومنذ ميلاد الحبر بين الأرض/ اليابسة والسماء /الروحانية، بين الموجودات التي يلامسها بحواسه والماوراء، هكذا يشرع الشاعر في إدراك معنى الزمن وفي مخاطبة الكائنات من حوله بأنفاسه وهواجسه قبل أن تتشكل في كينونته الكلمات، فنجده يرى وجهه في النهر أو ينفخ في ريشة لتطير، أو يكتب بشعاع شمس الله بأصابع بريئة، أو يبحث عن الجمال – كما قدره هو – في السماء وفي نشوة الصبح وفي ما يحيط به من ملكوت، حتى لأن العبارة تظهر في الإشارة .
ذاك هو المناخ الوجودي والطقس الجمالي الذي تفتقت في أحضانه نصوص هذا الديوان الجديد للشاعر عبد الحق بن رحمون والذي اختار له صاحبه عنوان ” وجهي في النهر، يدي في البياض”، هذه العتبة / العنوان التي تومئ بشكل مكثف إلى ما تلهج به نصوص الديوان من وجيب وجودي يقود الشاعر في أثناء ترحاله الذاتي إلى صياغة أسئلته الوجودية شعريا ومن ثمة إلى تخوم الإيمان الذي يتخذ من موجودات الطبيعة دليلا وبرهانا له، ليتكوّن لدى الشاعر المشاء ذلك الوعي بذاته وبالكون من حوله، فنجده يتساءل عن” أين سيجد اليقين”، ويسائل المحيط في حيرة : ” أيها العالم لماذا / تقف على حافة / إبرة الوقت ” ، لينتهي إلى الوعي بذاته ومعرفة نفسه عن طريق ما يلامسه بحواسه البريئة من مظاهر وتجليات الطبيعة : ” من أنا؟/ أنا الشمس / أنا الوردة / أنا الصبية / أنا بداية النور في كوة صفاء الروح / أنا الطير الواقف / لا تحجبه ظلال الوقت ”
ويعد هذا الديوان ” وجهي في النهر، يدي في البياض” اللبنة الرابعة – حسب تقويم النشر – للشاعر عبد الحق بن رحمون بعد دواوينه الثلاثة : “مكائد الأنفاس”، و”النسر القروسطي ويليه وتر زرياب الأخير” و” صاحبة السعادة”، وإن كان ثمة ما يميز ديوان ” وجهي في النهر، يدي في البياض” عن سابقيه الثلاثة، فإنه يمكن تسجيل أن زمن كتابة هذا الإصدار الرابع قد تزامن مع فترة الجائحة الكوفيدية التي أوقفت أنفاس العالم لمدة سنتين، والتي جعلت الإنسان فوق كوكب الأرض يطرح على نفسه عددا من الأسئلة المرتبطة باستمرار وجوده، ليحاول الشاعر في خضم ذلك مقارعة وجوده الخاص و التأكيد على استمرار نبض الشعر في كيانه باعتباره جوهرا لهذا الوجود، كما يمكن للقارئ المتتبع لتجربة الشاعر أن يلاحظ استمرار مؤثرات وتيمات الديوان السابق ” صاحبة السعادة” في الديوان الجديد ” وجهي في النهر، يدي في البياض” من خلال حضور الأم باعتبارها مفتاح القفل و الأندلس التي يعشقها الشاعر والبلاد التي يحمل حقائبه ويعود إليها، ومن خلال الحضور القوي للنفس الصوفي، إذ يعلن الشاعر عن ذلك في استهلال الديوان وهو يورد بيت سلطان العاشقين ابن الفارض : أضيئوا بالحب قلوبكم // إن القلوب حين تحب تُضاء، ويظهر هذا الحضور الصوفي المهيمن في القاموس الشعري المستعمل وفي الصور التي تميل إلى محو المحب العاشق من أجل تجلي المحبوب المعشوق، كما يتميز هذا الديوان الجديد بنزوع الشاعر المتجدد نحو رفد قصيدة النثر بتقنيات وجماليات غير مألوفة في أعماله السابقة، ويكفينا هنا أن نشير إلى تقنية ما يمكن تسميته بالسرد الشعري الذي يمنح الصورة أفقا أكثر رحابة.
طبعا، هي مجرد ملامسات خفيفة لما تضمنه ديوان” وجهي في النهر، يدي في البياض”، ولن تكتمل متعة هذه الملامسات إلا بقراءة المتن من ” الحياة أبدا” إلى ” أعمدة حجر البياض”، حيث سيستعين القارئ – كما الشاعر من قبله – بدفء الشعر، فما نحن جميعا – كما الشاعر أيضا- سوى قطرات ماء تخاف أن تتجمّد .
وجدة في 14 مارس 2022