تكتسي المُسامرات الفكرية والروحية في مدينة تطوان خلال شهر رمضان طابعا خاصا يمْزِج بين العراقة والنفحات الصوفية التي تتميز بها “الحمامة البيضاء” عبر العصور ، و هذه اللقاءات ليست مُجرد تجمعات عادية، بل هي تقليد مُتوارث يجمع بين الأدب والفقه، والمديح والسماع والإرشاد والتوعية الدينية .
كما أن هذه المسامرات الفكرية تعد تقليدا ثقافيا ضاربا في القدم، يعكس هوية المدينة بطابعيها الأصيل و المتجدد ،كجسر بين ثقافة الماضي وثقافة الحاضر بكل تلاوينها الإبداعية وأشكالها التعبيرية الراقية .
وغالبا ما تتوزع هذه المسامرات الرمضانية بين فضاءات تاريخية مرجعية تضفي سحرا خاصا على مواضيع النقاش ،والزوايا الصوفية ،التي تحتضن عروضا تجمع بين الفكر الديني والتصوف الفلسفي ،و النوادي الثقافية والمقاهي الأدبية، حيث يجتمع المثقفون والمتعطشون للمعرفة في جلسات تتسم بتنوع موضوعاتي غني يُثير ما يفيد الناس في دينهم وحياتهم الاجتماعية وتطلعهم الفكري .
و من أبرز المواضيع التي تثيرها المسامرات الرمضانية تاريخ المغرب الحافل بالأمجاد والأدب والتدوين عبر قراءات في كتب صدرت حديثا أو استعادة لشخصيات فكرية مغربية راحلة، ونقاشات حول القيم الأخلاقية والجمالية في الفكر الإسلامي والهوية الفكرية للمنطقة وإشعاهها الحضاري والعلمي.
وتتميز “مسامرات تطوان” ب”النخبوية المنفتحة” التي تجمع بين العلماء والمثقفين والأكاديميين والأدباء والباحثين المختصين، لكنها تظل مفتوحة للجمهور المُتذوق الراغب في المعرفة و الذي يمتلك فضولا فطريا وحافزا ذاتيا لفهم العالم ويسعى وراء العلم النافع ،ومن يعتبر المعرفة قوة لتحقيق التطور الذاتي والاطلاع على جديد الفكر .
و تبدأ المسامرات الرمضانية عادة بعد صلاة التراويح وتستمر إلى وقت متأخر ،خاصة خلال أيام نهاية الأسبوع ، مما يمنحها طابعا “أُنسيا” ،و غالبا ما تنطلق بقراءة “الحزب” والأذكار الجماعية وتتخلل الفواصل الفكرية وصلات من المديح والسماع أو فن الآلة وتقديم شذرات في مدح النبي الخاتم ووصف شمائله العطرة .
وتُشكل هذه الأنشطة الرمضانية بالنسبة لأهل تطوان صمام أمان للحفاظ على الذاكرة الجماعية ، فهي تحول ليالي رمضان من مجرد مناسبة استهلاكية عابرة إلى فرصة لتجديد الوعي الثقافي والارتقاء بالفكر.
و لطالما كانت بيوت الأسر التطوانية العريقة والنوادي الثقافية فضاء لمطارحات فكرية رصينة وتدارس السيرة النبوية أو تفسير آيات الصيام بأسلوب يجمع بين العمق الأكاديمي والوعظ الروحي مع تسليط الضوء على أدوار علماء المغرب في حماية العقيدة و نشر العلم الشرعي.
وتظل هذه المسامرات الرمضانية ،عامة ، وسيلة للحفاظ على الهوية الثقافية والروحية للمدينة، وجسرا يربط الأجيال الشابة بإرث أجدادهم في أجواء يطبعها الخشوع والسمو الفكري.