ذاكرة ليل تطوان :حين كان “السيرينو” مؤتمن المدينة وحافظ أسرارها ومُسعف الليل

هالة انفو. بقلم :عبد العزيز حيون

تُعد مهنة “السيرينو” (Sereno) أو “الحارس الليلي” واحدة من أكثر الملامح الأنثروبولوجية إثارة في تاريخ مدينة تطوان غير البعيد ، فهي لم تكن مُجرد وظيفة أمنية ، بل كانت جزء لا يتجزأ من “الهوية الشعبية” والذاكرة الحية للحمامة البيضاء .
و تتجاوز هذه المهنة ،التي اختفت مع بداية الستينات من القرن الماضي بعد تغيير هيكلة الأجهزة الأمنية التي أخذت طابعا حديثا ومركزيا ، كونها فقط “وظيفة أمنية” لتكون جزء من التراثين غير المادي والمادي للمدينة وضرورة كانت تفسر طبيعة المجتمع التطواني والطبيعة الديموغرافية والخصوصيات التعميرية لهذه الحاضرة المتميزة .
و ارتبطت مهنة “السيرينو” بصورة الرجل الوقور الذي يحمل حزمة مفاتيح ضخمة وبذلة خاصة يطوف بأزقة المدينة العتيقة ..و لم يكن يقوم بواجب الحارس الأمين وإنما كان “حافظا للمفاتيح”حيث كان الناس يضعون ثقتهم المطلقة ويترك بعضهم مفاتيح منازلهم لديه .
وكلمة “السيرينو” مشتقة من الصفة الإسبانية “Sereno”، والتي تعني “الصافي” أو “الهادئ” و “المتزن” ، وسبب التسمية يعود أيضا إلى العادة التي كان يتبعها هؤلاء الحراس في المدن الإسبانية قديما، حيث كانوا ينادون بصوت عالٍ في الليل للإعلان عن الوقت وحالة الطقس.
فكانوا يقولون مثلا: “الساعة الثانية والجَو صَحْو”(¡Las dos y sereno!) ،ومع تكرار كلمة “Sereno” (صافي/صحو)، أطلق الناس هذا الاسم على الحارس نفسه.
و من الناحية الأنتروبولوجية ،يمثل “السيرينو” نظاما أمنيا اجتماعيا يعتمد على الثقة والتعاقد الشفهي ، وهو ما يميز المجتمعات التقليدية عن المجتمعات الحديثة التي تعتمد على أنظمة أخرى ، سواء في الجانب الأمني أو في الجانب التعاقدي/الاجتماعي.
و”السيرينو” كان يعرف تفاصيل العائلات وأشخاص بعينهم ،من مريض وغائب ومن يحتاج مساعدة في جوف الليل بسبب مرض مزمن أو حاجة العوائل الى إسعاف استعجالي، وكان “السيرينو” ينادي بالوقت أو الحالة الجوية عندما يقتضي الأمر ، في وقت كانت وسائل التواصل بالشكل الحالي مُنْعدمة.
وبينما كانت مدينة تطوان تلتحف رداء الليل وتوصد أبواب “المدينة القديمة” السبعة معلنةً سكون الحركة، كانت هناك خطى منتظمة تقطع صمت الأزقة، يرافقها رنين حزمة من المفاتيح الضخمة وصوت جهوري يطمئن النيام.
و”السيرينو” ،بالنسبة لساكنة تطوان التي عاصرت هذا النوع من الوظائف ، تلك الشخصية الأسطورية التي استوطنت الوجدان التطواني، وتحولت من كونها مهنة استُقدمت من إسبانيا في وقت ما ولظروف ما إلى ” تراث شعبي ” أصيل يختزل قيم الأمان، و التكافل، والارتباط الوجداني بالمكان ونُبل العلاقات الاجتماعية والثقة بين الجيران والأشخاص الذين يتقاسمون نفس الحي ونفس الاهتمامات .
و”السيرينو” تجاوز وظيفة “حارس الليل” والساهر على أمن دروب وأزقة المدينة العتيقة ، إذ كان أيضا “أمين أسرار” المدينة، والشاهد الوحيد على حكاياتها المتوارية خلف الأبواب العتيقة ،و جسّد حلقة وصل فريدة بين الماضي والحاضر، والتأثيرات التي شكلت وجه تطوان الحضاري في حقبة معينة .
وكان “السيرينو” يقوم بالتجول في أزقة المدينة العتيقة ، لضمان عدم وقوع سرقات أو حرائق وهو يحمل المفاتيح الكبيرة إذ لم يكن الكثير من السكان يحملون مفاتيح منازلهم الثقيلة نسبيا ،وعندما يصل صاحب الدار ليلا، ينادي عليه أو يطرق الأرض بعصاه، فيأتي الحارس ليفتح له الباب.
و”السيرينو” هو أيضا بمثابة منبه بشري و يقوم في أحيان كثيرة بدور “المسحراتي” في غير رمضان أيضا، حيث يمكن الاتفاق معه لإيقاظ شخص ما لصلاة الفجر أو للسفر أو لأمر ما مُتفق بشأنه مُسبقا .
وبخصوص المظهر والعُدة، كان “السيرينو” التطواني يتميز بمظهر وقور وغالبا ما كان يحمل العصا الغليظة للدفاع عن النفس ولطرق الأبواب أو الأرض للتواصل مع زملائه ،ويحْمِل القنديل لإنارة طريقه في الدروب الضيقة والمُظلمة قبل دخول الكهرباء بشكل كامل، ويلبس المعطف الطويل (الكبوط) ليقيه من برد تطوان القارس ومطرها في الشتاء.
و مع تطور أنظمة الشرطة الحديثة، وانتشار الإضاءة العمومية في كل زقاق وتغير العادات الاجتماعية حيث أصبح لكل فرد مفتاحه الخاص، بدأت هذه المهنة تتلاشى تدريجيا حتى اختفت تماما من أحياء تطوان، وبقيت فقط في حكايات الأجداد والآباء وأدبيات المؤرخين الذين عاصروا “زمن السيرينوس”.
ويتبين من وظائف وخصوصيات وواجبات “السيرينو” في تطوان أنها تجاوزت الوظيفة الأمنية المُعتادة لضبط السكينة وتفقد أبواب المنازل والمتاجر و المحلات الصناعية وورشات العمل ، وشكلت ركيزة مهمة في العقد الاجتماعي الذي يربط الساكنة بمحيطها.
فخلف تلك الخطوات الرزينة وصوت المفاتيح الذي يكسر صمت الدروب الضيقة في المدينة العتيقة، تكمن علاقة ثقة نادرة حولت الحارس الليلي “السيرينو” إلى “أمين للحي” وجزء لا يتجزأ من هويته الشعبية والإنسانية والاجتماعية .
و يظل “البعد الشعبي” لهذه المهنة الشريفة صامدا في المخيال الجماعي لأهل تطوان والحس الإنساني “للسيرينو” الذي منح الطمأنينة للنفوس قبل البيوت وسهر الليالي لكي تنام تطوان بسلام.

error: Content is protected !!