“دلالو” تطوان: حراس الثقة في دروب “الخرازين” العتيقة

هالة انفو. بقلم :عبد العزيز حيون

مهنة “الدلاّل” ،سواء في حي “الخرازين” العتيق أو في أحياء أخرى من الأحياء التجارية القديمة بمدينة تطوان ، هي أكثر من مُجرد وظيفة تجارية مُقننة بحكم الأعراف والتقاليد ،وهي ذاكرة حية تختزل تراتبية السوق وأخلاقيات المعاملات في “الحمامة البيضاء”.
فبين أزقة حي الخرازين ،الذي لازالت تفوح منه رائحة الجلد كما في سابق العقود الطويلة من الزمن ، يَبْرز “المكلف بالدلالة” كشخصية مِحورية تجمع بين الثقة، والفصاحة، والقدرة على تدبير المزاد العلني بأسلوب يمزج بين الحيوية والجدية والفطنة التجارية ،وكذا القدرة على فهم مواقف العمل والذكاء والحِس التجاري.
ومع التحولات السريعة التي فرضتها أنماط الاستهلاك الحديثة، يجد هذا الموروث اللامادي نفسه اليوم في مواجهة تحدي صعب، حيث انحسرت أصوات “الدلالون” التي كانت تملأ فضاءات حي “الخرازين”، لتفسح المجال أمام طُرُق بَيْع عصرية غيبت الطابع الوجداني والاجتماعي لهذه المهنة النبيلة التي كانت الى عهد قريب محور العملية التجارية .
وبدون أدنى شك ،تعتبر شخصية “الدلال” في حي الخرازين العريق بتطوان جزءا لا يتجزأ من الذاكرة الاقتصادية والاجتماعية للمدينة، وهي مِهنة تتجاوز فَهْم كونها ملتصقة ببيع السلع بعد أن شكلت على مدى زمن طويل طقسا تراثيا يعكس طبيعة المعاملات التجارية في “الحمامة البيضاء” وطبيعة العلاقات بين المكونات الصناعية والتجارية في زمن غابر .
والى عهد قريب شكل حي الخرازين ،المُختص في صناعة البلغة والمنتجات الجلدية المختلفة الأخرى كالحقائب اليدوية و الأحزمة.. ، القلب النابض للتجارة التقليدية، و فيه يطلع “الدلال” بدور “الوسيط الضامن” لحقوق الصانع والبائع على حد سواء ،و لا يمكن لأي شخص أن يستطيع ممارسة “الدلالة” ، إلا إذا توفر على شروط خاصة ،منها أن يكون معروفا بالأمانة والصدق لأنه يحمل أرزاق الحرفيين (المعلمين) ويعرضها على التجار أو الزبائن.
و” الدلال” هو من يُحدد القيمة السوقية للبلغة التطوانية وللمنتوجات الأخرى المعروضة للبيع ،من خلال عملية “المزايدة الحركية ” في أزقة الخرازين، و يُعلن عن جودة السلعة وسعرها الافتتاحي، مما يخلق توازنا بين العرض والطلب ويضمن الأرباح المناسبة لكل أطراف التجارة البيْنِية .
ومن مميزات “الدلال” صوته الجهوري وحركته الدؤوبة ما يضفي حيوية على هذا الحي “الصناعي” الذي لازال شامخا الى اليوم ويعتبر “خزانا للأسرار” التجارية والاجتماعية بين الحرفيين والتجار .
و مع تغير النمط الاستهلاكي تحولت هذه المهنة إلى “أيقونة تراثية” ،و لم يعد دور “الدلال” ضروريا من الناحية التقنية لتصريف السلع كما في السابق، لكنه استمر كعنصر جذْب سياحي الى حد ما يحافظ على هوية حي الخرازين ضمن باقي مكونات هذا الحي الجميل ،الذي كان الى عهد قريب القلب النابض للمدينة ،والذي يوجد بين معالم تراثية تفتخر بها تطوان كدار الدباغ و السوق الفوقي والغرسة الكبيرة والصياغين والنجارين .
و يركز الدلالون اليوم بشكل أكبر على السلع المتميزة أو الصفقات السريعة ، مُقابل بحث الزبائن عن قطع تقليدية أصيلة بأسعار تنافسية بعيدا عن الأسعار الثابتة للمحلات.
وبقاء “الدلال ” في حي الخرازين اليوم هو نوع من المقاومة الثقافية للحفاظ على نمط العيش التطواني الأصيل أمام زحف العصرنة ،التي لا تأتي بالضرورة بأشياء إيجابية بقدر ما تأتي أحيانا بأمور تُقبر عادات جميلة قاومت لقرون الزوال .
ورغم التغييرات بقي حي الخرازين وفيا لروحه، ولا يزال “الدلال ” بتطوان يُجسد تلك الصورة الحية للإنسان الذي يربط بين يد الصانع المُبدع وحاجة الزبون المُتَذوق، حاملا معه عِبق التاريخ الأندلسي الذي تتنفسه أزقة المدينة العتيقة .
ولا يمكن اختزال مهنة “المكلف بالدلالة” بحي الخرازين في كونها نشاط تجاري عابر لبيع المنتجات الجلدية ، وإنما هي “ذاكرة صوتية وحركية” تختزل تاريخ تطوان العريق وتذكرنا بماضي تليد ضارب في جدور التاريخ .
وبين واقع اليوم ،الذي تفرضه العولمة والتجارة الرقمية، يقف هذا الحرفي صامدا كآخر حراس الهوية البصرية والسمعية للمدينة العتيقة ،لعله يجد من يهتم بشأنه وتاريخه وخصوصياته .
ومن تم يبقى الحفاظ على مهنة “الدلال” في حي الخرازين “ضرورة ثقافية واقتصادية وهوياتية” لضمان استمرارية الصناعة التقليدية التطوانية..فبالرغم من تراجع وهجها أمام زحف التكنولوجيا، يظل صوت “الدلال” في أزقة الخرازين شاهدا على أن القيم الإنسانية والتواصل المباشر هي الروح الحقيقية التي تمنح لأسواق تطوان التقليدية سحرها الذي لا يغيب.
ويجب أن يقتنع الجميع ، من متدخلين مؤسساتيين ومهنيين وتجاريين ، أن مهنة الدلالة هي جسرٌ يربط ماضي تطوان المزدهر بحاضرها المُتغير، و أن حمايتها هي حماية لجزء أصيل من التراث اللامادي المغربي الذي يأبى النسيان.

error: Content is protected !!