الرواية بوصفها وثيقة إنسانية: قراءة تفكيكية في كتاب أحمد بن شريف “سرديات أنثروبولوجيا الرواية”
هالة انفو. بقلم : عبد العزيز حيون
مرايا الإنسان في النص: رحلة في المنجز النقدي لأحمد بن شريف “سرديات أنثروبولوجيا الرواية”
كتاب “سرديات أنثروبولوجيا الرواية” للباحث المغربي أحمد بن شريف ، اجتهاد أدبي متميز يوازن بين الإطار النظري (الأنثروبولوجيا) والاشتغال التطبيقي (الرواية) ،وهو إبداع يبرز الحاجة الماسة إلى مقاربات تلامس تخصصات تتجاوز الانغلاق الهيكلي للنص لتنفتح على أبعاده الإنسانية والثقافية والاجتماعية العميقة، التي قليلا ما تسلط الكتابات النقدية الضوء عليها .
ومن منظوري الشخصي يأتي كتاب “سرديات أنثروبولوجيا الرواية” ،الصادر عن دار النشر ” سليكي أخوين” في بداية سنة 2026 الجارية،كحلقة وصل معرفية رصينة، تسعى إلى استنطاق المتخيّل الروائي من منظور “أنثروبولوجي” لا يكتفي برصد الجماليات الفنية والتجربة الفكرية والحسية المؤثرة، بل يغوص بذكاء ونباهة الأدباء المتمرسين في تمثلات الإنسان، وهويته، وطقوسه، وتحولاته السوسيو-ثقافية داخل المتن السردي.
و ينطلق الكاتب أحمد بن شريف ،ابن الريف الشامخ والطنجاوي والتطواني الهوى ، في هذا المؤلف من أطروحة مركزية مفادها أن الرواية ليست مجرد حكاية متخيلة، الى أنها “وثيقة أنثروبولوجية” بامتياز، تعيد صياغة الوجود الإنساني وتؤرخ للمسكوت عنه وغير المسكوت عنه في الرواية .
وهذا العمل الأدبي ، الذي صاغه الدكتور بن شريف في قالب لغوي جذاب مع استخدام تقنيات بلاغية وتشويقية تجعل النص أكثر متميزا ، يضعنا أمام تساؤلات جوهرية: كيف يسهم البعد الأنثروبولوجي في تشكيل جماليات السرد؟ ،وإلى أي حد استطاع النقد المغربي بشكل خاص والعربي بشكل عام تطويع المفاهيم الأنثروبولوجية لفك شفرات النصوص الروائية؟…
وما يُميز كتاب الباحث المُتمرس ،انطلاقا من هذه الأسئلة الجوهرية ، هو الذكاء في الربط بين جسور حقول معرفية ليست بالسهلة ولا هي في متناول الجميع ،و الدمج بين “علم الإنسان” (Anthropology) وبين “علم السرد” (Narratology) ليضع الرواية عامة كمرآة ثقافية تخلخل قضايا المجتمع ،مُركزا على فكرة أن الشخصية الروائية عنده “كائن ثقافي” يحمل في طياته طقوس وعادات ومعتقدات وأفكار مجتمعه.
وفي هذا السياق ولتنزيل أفكاره بوضوح ، اشتغل الباحث على متون روائية لإثبات فاعلية المقاربة الأنثروبولوجية في كشف “البنيات الذهنية”(Mental Structures) للمجتمعات التي تشير الى المقولات والأطر الفكرية و النفسية والثقافية التي تنظم وعي كاتب الرواية أو الجماعة الاجتماعية و”البنيات التفكيرية” لمؤلفي الروايات التي تحيلنا على مجموعة التصورات و الرؤى والقيم (الفلسفية، الاجتماعية، والسياسية..) التي تشكل “رؤية الجماعة” أو “رؤية الشخص”داخل النص الأدبي.
والمُطلع على هذا الكتاب التحليلي الشيق يكتشف الخصوصية المغربية لمؤلف أحد بن شريف ، الذي غالبا ما يربط تحليلاته بخصوصية الهوية الثقافية في المغرب والتحولات التي طرأت عليها دون أن ننسى سبره لأغوار تصورات مفكرين عالميين مرجعيين من أمثال جان بول سارتر وغاستون باشلار وجيلبير دوران ورولان بارت .
وكتاب الدكتور بن شريف التحليلي ، الإضافة النوعية للمكتبة النقدية العربية المعاصرة، لم ينجح فقط ، وباقتدار ، في جعل الأنثروبولوجيا أداة طيعة لخدمة الأدب وإنما تتبع بخبرته ، التي تجلت في إبداعه للمجموعة القصصية “الفئران المكعبة” و”شموس طنجة” و”أوراق الجنوب” و”قلاع طريس” والمجموعة الشعرية “صهيل الريف” والدراسة النقدية “المتخيل في الرواية المغربية” ، الروابط العميقة والوشائج الخفية بين الفن الروائي وعلوم الإنسان المتمثلة في الأنثروبولوجيا.
و ينطلق أحمد بن شريف من فرضية مفادها أن الرواية لا يمكن حصرها في كونها “تخييل” أدبي، بل هي “وثيقة أنثروبولوجية” تعيد صياغة الوجود الإنساني ،و من تم لا يكتفي بالتحليل البنيوي للنصوص، وإنما يغوص في الأمور التي لا ينتبه إليها أفراد المجتمع ثقافيا واجتماعيا.
وروعة الكتاب التحليلي في أنه تجاوز المنهج الوصفي بأسلوب علمي لرصد وتحليل ظواهر الرواية للوصول إلى تفسيرات عميقة ولينتقل بسلاسة من وصف التقنيات السردية إلى تحليل “الإنسان” داخل السرد ،مُركزا على ثنائية الأنا والآخر و كيفية تَمَثل الرواية للهوية، والعادات، والطقوس، والتمثلات المجتمعية الأخرى بشكل عام.
ويرى بن شريف أن الرواية تعمل كمرآة عاكسة ليس فقط للتحولات الاجتماعية أو المجتمعية بل و للتحولات الثقافية ، ومن تم يحلل السرد بوصفه ممارسة تهدف إلى فهم الطقوس والتقاليد ، وكيف تتحول الطقوس الاجتماعية من واقع مادي إلى بنية سردية وبوصفه المخيال الشعبي باستحضار الأساطير والقصص داخل النص الروائي الحديث ليس للزينة، وإنما كأداة لفهم “اللاوعي الجَمْعي”(Collective Unconscious) وفق مفهوم علم النفس التحليلي الذي تبناه العالم السويسري كارل غوستاف يونغ .
و يمكن تقسيم المقاربة النقدية التي اعتمدها الدكتور بن شريف إلى ثلاثة مستويات أساسية ،المستوى السوسيو-ثقافي ،والمستوى الميثولوجي Mythological الذي رصد حضور الأسطورة داخل “الزمن الروائي” وكيفية إعادة تدوير الرموز البدائية (Proto-writing) التي تعتبر التمهيد لتطور الكتابة الحقيقية ،و المستوى اللغوي الذي يتعامل مع اللغة ليس كأداة لنقل الأحداث فحسب وإنما ككيان فني وإبداعي يساهم في تشكيل الدلالة وبناء العالم الروائي ، دون الحديث عن تحليل “اللغة الواصفة” (Metalanguage) في الرواية، وكيف تعبر عن الهوية والطبقة أو الطبقات الاجتماعية ،ومستوى نقد المفاهيم Critique of Concepts و تفكيك وإعادة تقييم المصطلحات والمفاهيم الأساسية والانتقال من “الحكاية” إلى “الظاهرة”.
وأبرز ما يميز طرْح الدكتور أحمد بن شريف ،وفق منظوري الخاص كصحافي وليس كناقد أدبي ، هو قدرته الفائقة على تحليل كيف تتحول “الحكاية” البسيطة إلى “ظاهرة” تستحق الدراسة العلمية ،و هو لا يرى الشخصية الروائية ككائن ورقي نقرأ عنه ثم نهجره أو ننساه الى لقاء آخر أدبي قد لا يتجدد ، بل ك”كائن ثقافي” يحمل جينات بيئته ويجمع بين الوراثة البيولوجية والتنشئة الاجتماعية و”المؤثرات” الثقافية .
وتبين لي وأنا أقرأ الكتاب بجهد بليغ أن الرواية في منظور أنثروبولوجيا السرد ، كما يفسرها الدكتور بن شريف ، هي الحفر في طبقات الذاكرة، واستعادة للأصوات المهمشة التي طمسها التاريخ الرسمي ،كما تتناوله منهجية التاريخ الشفوي (Oral History Methodologies).
ومن منظوري الخاص ، وأنا لا أدعي المعرفة الجيدة في مجال الأنثروبولوجيا ، فقد فتح الباحث بن شريف آفاق جديدة للنقد العربي تتجاوز “الصيحات ” البنيوية والتفكيكية التقليدية الى الغوص في العمق المعرفي والربط بين مفاهيم المفكر البلجيكي (كلود ليفي ستروس) ،صاحب أطروحة الأنثروبولوجيا البنيوية التي تفترض وجود بنيات عقلية وعميقة غير واعية تَحْكم الثقافات البشرية وتتجاوز الاختلافات الظاهرية ، والمُنظر الأدبي الروسي (ميخائيل باختين) الذي ترتكز نظرتيه على أن الرواية جنسا أدبيا “مفتوحا” يعكس التفاعل بين لغات وثقافات مختلفة مُتمردة على الأحادية ، وبين النصوص الروائية العربية بذكاء .
ويَكْمن هذا الذكاء لدى الدكتور أحمد بن شريف في كيفية دَمْج عنصري الفلسفة والخيال من حيث المنهج ، فهو يستخدم “المنهج الأنثروبولوجي” ليفكك الرموز الفلسفية الكامنة في النصوص الروائية، معتبرا أن الأسطورة هي أصل الحكاية والفلسفة هي جوهر السؤال ،فيما الرواية هي المصب الذي يجمعهما ،ومن هنا الرواية عند بن شريف قد تكون صهر الخيال الإنساني لإنتاج معنى جديد للوجود يتجاوز ملامسة التفسيرات الجاهزة إلى خلق دلالات شخصية وعميقة للحياة.
وإن كان الدكتور بن شريف لم يشر صراحة وبشكل مباشر الى بنية الزمن والتمثل الأسطوري ،فهو قد وَظفَ “زمن الرواية ” لإعطاء عُمق أنثروبولوجي للنص ،و الزمن هنا ينفصل عن الواقعي ليصبح زمنا رمزيا أحيانا ، حيث تلتقي الحكاية بالواقع، ويُصبح التاريخ كتجلٍ لقوى أعمق تُسَير الوعي الشعبي أو المجتمعي العام .
كما أن بنية الزمن عند أحمد بن شريف في “سرديات أنثروبولوجيا الرواية” تخطت التقنية السردية، الى “أداة حفر (أركيولوجيا)” في الذاكرة المغربية مستفيدة من الدراسات الفلسفية المشتغلة على مواضيع من صميم المتخيل في صيغته العامة.
فالرواية المغربية، من هذا المنظور، لا تحكي قصة في الزمن، بل تحكي “قصة الزمن نفسه” ،كيف يتشكل؟، وكيف يتحول من وعي قبلي جمعي إلى وعي فردي حداثي ؟،و كل واحد ينظر إليه من زاويته ووفق حمولته الثقافية وخلفياته الاجتماعية ولربما خلفياته السياسية والفكرية والإيديولوجية والقناعات الذاتية التي قد لا تتغير وقد تتغير مع مرور الزمن الافتراضي.
وكتاب “سرديات أنثروبولوجيا الرواية” لأحمد بن شريف هو دعوة لإعادة قراءة الأدب بعيون “عالم الإنسان” ،إنه محاولة جادة لكسر الجمود النقدي، والتأكيد على أن الرواية هي ،بطبيعة الحال ليس الأمر عند الكل ، السجل الحقيقي للتاريخ الذي لم يكتب منه الكثير ، وهي الأداة الأرقى لفهم تعقيدات النفس البشرية في سياقها الحضاري والمجتمعي في كل تمظهراته و دينامياته والتغيرات متعددة الأبعاد داخل البنية الاجتماعية والثقافية.
ونخلص في كتاب “سرديات أنثروبولوجيا الرواية” الى أن الباحث بن شريف لا ينصح بالوقوف عند حدود القراءة الميكانيكية للنصوص، وينجح في إقناع القارئ بتحويل النقد الأدبي إلى مختبر إنساني يفكك من خلاله الروابط الخفية بين المتخيل السردي والواقع السوسيوثقافي.
و استطاع المؤلف أن يُثبت بأن الرواية ليست حكاية عابرة من حيث الزمن والمكان والأبطال ، بل هي وثيقة أنثروبولوجية حية تختزل تمثلات الإنسان لذاته وللعالم ،و يفتح كذلك أفقا جديدا أمام النقد العربي الحديث ،أفقا يتجاوز الإنغلاق البنيوي ليُعانق رحابة العلوم الإنسانية، مما يجعل من الكتاب مرجعا لا غنى عنه لفهم كيفية تحول “القيم الثقافية” إلى “بنى سردية “تؤرخ للوعي البشري ” .
وفي نهاية هذا التحليل، نَخْلُص إلى أن مشروع أحمد بن شريف في هذا الكتاب يمثل دعوة صريحة لإعادة قراءة الرواية بعيون “أنثروبولوجية” تبحث في المنسي والمضمر وتمزج بين دقة المنهج وعمق التحليل، كاشفا عن قدرة الرواية على استيعاب الرموز والطقوس والتمثلات الجماعية.
