عبد الخالق آيت الشتوي: “هارموني” الإدارة والفن في حضرة تطوان
هالة انفو. بقلم :عبد العزيز حيون
من النادر جدا أن نجد شخصية استطاعت الموازنة، وبكفاءة عالية، بين صرامة وجدية العمل في سلك رجال السلطة والإدارة الترابية، وبين رقة وعذوبة اللحن والكلمة والتأليف الأدبي الغني.
لكن عبد الخالق آيت الشتوي ،ابن مدينة تطوان ، كسر هذه القاعدة، ليثبت أن رجل السلطة يمكن أن يكون فنانا مرهف الحِس، ومثقفا موسوعيا يحمل همّ الهوية الوطنية والخصوصية التراثية لمدينته ووطنه المعطاء .
ارتبط اسم الأستاذ عبد الخالق آيت الشتوي بقطع غنائية وطنية واجتماعية خالدة، لعل أشهرها على الإطلاق الكلمات الساحرة لأغنية “ياوليدي يا حبيبي” (“يا وليدي يا حبيبي.. رد بالك هادي بلادك راه أنت محسود عليها” ،التي تغنى بها الهرم التطواني الراحل عبد الصادق شقارة ، ودخلت كل بيت مغربي..والتي لم تكن مجرد كلمات عابرة، بل كانت وثيقة وطنية مغلفة بالحب الأبوي والتوجيه الصادق للشباب المغربي، تدعوهم للتمسك بوطنهم والاعتزاز به.
وقد تميزت الكتابات الغنائية لعبد الخالق الشتوي ،الذي ولد سنة 1953 وهو من رواد القصيدة الزجلية المعاصرة وأحد أبرز أصواتها،عموما بالبساطة العميقة والقرب من الوجدان الشعبي والتطواني على وجه الخصوص، ومنها أيضا أغنيته الشهيرة في حب مدينته “حبيبتي تطوان” مهداة لفريق المغرب التطواني و أغنية “الساهي” للأمين الأكرامي و أغنية “هكذا وراني” من أداء المرحوم احمد الغرباوي وأغنية “وداع ” للمطرب البشير عبده و أغنية “حبيبتي تطوان كل ما فيها جميل ” من أداء الفنانة آمال عبد القادر والفنانة فتيحة أمين .
لم يقف عطاء آيت الشتوي ، الذي يتقن العزف على آلة العود ويوظفها في كتابة زجله ، عند حدود صياغة الكلمات، بل امتد ليشمل التلحين والأداء، حيث ساهمت ألحانه العذبة في إبراز جمالية النغم الشمالي المغربي ..وإلى جانب ذلك، حرص من خلال اهتماماته البحثية على تأليف كتب ومقالات تُعنى بالموسيقى وتوثق للموروث الثقافي والفني بالمنطقة، رغبة منه في حماية هذا الإرث من الاندثار وتلقينه للأجيال الصاعدة ، من ذلك كتاب “الأغنية الدينية باقة من روائع القصيدة الدينية المغناة ” ،الكتاب الذي تشكل فصوله ذخيرة بالغة الأهمية لسد ثغرة في المكتبة المغربية التي تفتقر إلى دراسات تضع الأغنية الدينية في سياق انبثاقها وتطورها الفني والأدبي عبر مراحل متعددة.
في مساره المهني كإطار ورجل سلطة سابق، عُرف عبد الخالق آيت الشتوي ،الذي اختار المغادرة الطوعية عن الوظيفة سنة 2005 ليتفرغ لعشق القلم ، بالقرب من المواطنين وحسن الإنصات والتدبير. لم تمنعه واجبات الوظيفة ومسؤولياتها الجسيمة من مواصلة شغفه الفني، بل كان يوظف هذا الحس الإنساني والفني في تجويد علاقته بالمحيط الإداري والاجتماعي الذي اشتغل فيه، مجسدا المفهوم الجديد للسلطة القائم على القرب والإنتاجية الإنسانية.
والأستاذ عبد الخالق آيت الشتوي هو نموذج حي للمثقف المغربي المتكامل، و هو رائد من رواد الأغنية المغربية ذات الطابع الشمالي الأصيل ..و خلف البزة الإدارية الرسمية للأستاذ آيت الشتوي، نبض قلب شاعر وملحن مرهف الحس، ويعترف بافتخار كبير أنه تأثر بالأنغام الأندلسية وصنائع طرب الآلة التي تزخر بها مدينته.
منجزه الفني، وخاصة رائعة “ياوليدي ..يا حبيبي”، سيبقى منقوشا في ذاكرة الأجيال كشهادة حية على عبقرية رجل جمع بين هيبة “المخزن” ورقة “الفن” لتظل مدينة تطوان الرابضة بين جبال الريف، فضاء فريدا تتمازج فيه صرامة التاريخ مع رقة الفن والأندلسيات ،كما تشكل الأغنية لديه مزيجا بين حكمة وإبداع رجل السلطة والمثقف عبد الخالق آيت الشتوي، وعبقرية و رِقة رائد الطرب الأندلسي عبد الصادق شقارة.