مفارقة البرازيل: لماذا يفشل مُصدِر المواهب في العالم منذ ربع قرن؟
هالة انفو. كتب:زيد حيون
تستمر البرازيل في الهيمنة على سوق كرة القدم العالمية باعتبارها “المنجم الأول” لإنتاج المواهب. ووفقا لآخر تقارير مرصد كرة القدم (CIES) الذي حلل حركة انتقال اللاعبين بين سنتي 2020 و2025 في 135 دوريا، فإن هناك أكثر من 3000 لاعب تم تكوينهم في البرازيل ينشطون حاليا خارج بلادهم، متفوقة بمسافة شاسعة على فرنسا (المرتبة الثانية) والأرجنتين (المرتبة الثالثة).
وبلغ العائد المالي للأندية البرازيلية من صفقات الانتقال 727 مليون دولار في سنة 2025 وحده، بينما ناهزت القيمة الإجمالية لحركة اللاعبين البرازيليين عبر العالم 2.6 مليار دولار في 2024.
ورغم هذه الوفرة الإنتاجية الخارقة، يعيش المنتخب البرازيلي (“السيليساو”) أطول فترة جفاف وتراجع في تاريخه ،حيث لم يذق طعم التتويج بكأس العالم منذ مونديال كوريا واليابان 2002، واكتفى بلقب يتيم في كوبا أمريكا خلال الـ 19 سنة الأخيرة (نسخة 2019)، لتنتهي مشاركته الأخيرة في مونديال 2026 بإقصاء مرير ومبكر دون ملامسة الأدوار المتقدمة، مسجلا ست دورات متتالية من كأس العالم دون الوصول حتى إلى المباراة النهائية.
أزمة مراكز: عقم في ستة مواقع حيوية:
تؤكد التحليلات التقنية الصادرة من داخل البيت الكروي البرازيلي أن الخلل لا يكمن في حجم الإنتاج، بل في نوعيته وتخصصه، إذ توقفت منظومة التكوين البرازيلية عن تقديم لاعبين يملكون الكفاءة العالية في ستة مراكز استراتيجية تُبنى عليها التكتيكات الحديثة:
التشخيص التقني:”تعاني البرازيل اليوم من غياب الأطر النخبوية في ستة مراكز أساسية: الظهير الأيمن (2)، محور الارتكاز الدفاعي (5)، الظهير الأيسر (6)، لاعب الوسط الرابط (8)، المهاجم الصريح (9)، وصانع الألعاب الكلاسيكي (10).”
وفي الوقت الذي عاد فيه العالم لتقدير قيمة “المهاجم رقم 9” الكلاسيكي والمحوري بفضل طفرة إيرلينغ هولاند (الذي هز شباك البرازيل مجددا)، تفتقر البلاد لوريث شرعي لعمالقة من طينة رونالدو أو روماريو.
وانعكس هذا العقم على الأظهرة البرازيلية التي كانت علامة مسجلة باسم “السيليساو” (مثل روبرتو كارلوس وكافو)، حيث يتم تحويل الأظهرة البرازيليين في أوروبا اليوم إلى مدافعين في الخط الخلفي أو أجنحة دفاعية (Carrileros) لضعف خصائصهم الدفاعية الفردية.
الهوية المفقودة ومقارنة الجوار المستقر:
تكمن المفارقة في أن منظومة “السامبا” تحولت من أسلوب جماعي مميز وهوية تكتيكية واضحة – مثل “اللعب الجميل” ،الذي ميز أجيال بيليه، زيكو، رونالدينيو وكاكا – إلى منتخب رهين بالفرديات المعزولة، سابقا مع نيمار وحاليا مع فينيسيوس جونيور.
وفي المقابل، نجحت قوى إقليمية ودولية في بناء هويات جماعية راسخة، كإسبانيا التي طورت أسلوبا مستوحى من أفكار يوهان كرويف، أو الأرجنتين التي شيّدت مشروعا متكاملا في العقد الأخير تُوّج بمونديال 2022 وبطولات كوبا أمريكا، رغم قلة إمكانياتها المادية مقارنة بالدوري البرازيلي وتصديرها لعدد لاعبين يقل بألف لاعب عن جارتها.
ولم تعد البطولات القارية حكرا على “الكلاسيكو” ضد الأرجنتين، بل شهدت الساحة صعودا تكتيكيا لمنتخبات مثل كولومبيا وأوروغواي، مما قلص الفوارق التقنية الفردية لصالح التنظيم الجماعي.
معضلة الأعمار وقصور المنهجية:
اصطدمت البرازيل في منافسات المونديال الحالي بواقع رقمي يعكس غياب الإحلال والتجديد المتوازن، إذ دخلت البطولة بقائمة تجاوز معدل أعمارها حاجز 29.27 سنة، وهو معدل مرتفع جدا لا يفوقه في البطولة سوى منتخبات معدودة مثل إيران وبنما وكولومبيا وقطر والرأس الأخضر، في حين تخوض قوى منافسة كإسبانيا البطولة بمعدل شبابي وحيوي لا يتعدى 26.73 سنة.
وتشبه أزمة الكرة البرازيلية الحالية قصة تراجع رياضة هوكي الحقل في الهند، فالمهارة الفطرية لم تعد كافية بعد تغيير القواعد وتطور اللعبة.
فاللاعب البرازيلي لم يعد يولد وبداخله المعرفة التكتيكية الجاهزة، بل بات يحتاج إلى تطوير حاد في مناهج التكوين، التموقع، والانضباط التكتيكي لمواكبة القفزة الهائلة التي حققها العالم في “علم التدريب”.
براءة كارلو أنشيلوتي:
تبرئ القراءات التقنية ساحة المدرب الإيطالي كارلو أنشيلوتي من المسؤولية المباشرة عن هذا الإخفاق ،فالرجل الذي حقق مجده التدريبي من خلال حسن إدارة النجوم والتشكيلات الجاهزة والناضجة في الأندية الكبرى، وجد نفسه أمام منتخب وطني يتطلب إعادة بناء هيكلية من القاعدة وفي مراكز حيوية تعاني البرازيل أصلا من عقم في إنجابها.
ولا يمكن لأي تكتيك أو مدرب عالمي اختراع مهاجم قناص أو صانع ألعاب يملك جينات القيادة إذا كانت أكاديميات البلاد قد توقفت عن إنتاجها لصالح تفريخ أجنحة الخطوط فقط (مثل مارتينيلي، إستيفاو، ورافينيا).
إنها أزمة تكوين بنيوية، وعلاج هذا النوع من الأزمات يتطلب سنوات طويلة من التخطيط ومراجعة المفاهيم الأساسية.