المغرب ليس خصماً… بل شريكاً استراتيجياً

هالة انفو. بقلم : محمد اليطفتي

ليست المرة الأولى التي يجد فيها المغرب نفسه في مواجهة موجة إعلامية قادمة من الضفة الشمالية للمتوسط، تتغذى على الأحداث الظرفية، وتعيد إنتاج الصور النمطية ذاتها كلما برزت أزمة مرتبطة بالهجرة أو بالحدود أو بالعلاقات الثنائية. وما شهدته الأيام الأخيرة من تغطيات في بعض المنابر الإسبانية، عقب أحداث محيط سبتة، يؤكد أن جزءًا من المشهد الإعلامي الإسباني ما زال يفضل منطق الاتهام السريع على حساب التحليل الرصين، ويستسهل تقديم المغرب في صورة “المتهم الدائم”، حتى قبل استكمال الحقائق أو انتظار نتائج التحقيقات.
إن المتابع المنصف لا يحتاج إلى كثير من الجهد ليلاحظ أن بعض العناوين الصحفية لم تكتف بنقل الخبر، بل انزلقت إلى بناء رواية سياسية كاملة، تُحمِّل المغرب مسؤولية كل ما يقع، وتُغفل عن قصد أو عن غير قصد شبكة العوامل المركبة التي تحكم ظاهرة الهجرة غير النظامية، بدءًا من الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في دول المصدر، مرورًا بشبكات الاتجار بالبشر، وصولًا إلى حملات التضليل والتحريض التي تنتشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والتي أقرت بها حتى جهات إسبانية وأوروبية.
إن الأزمة، في حقيقتها، أكبر من أن تختزل في عنوان مثير أو افتتاحية انفعالية. فالهجرة غير النظامية ليست مشكلة مغربية، وليست مشكلة إسبانية، بل هي تحدٍّ دولي معقد، تتداخل فيه الاعتبارات الأمنية والإنسانية والاقتصادية والجيوسياسية. ومن غير المقبول اختزال هذا الملف في خطاب إعلامي يبحث عن “متهم جاهز” بدل البحث عن حلول مستدامة.
لقد أثبت المغرب، خلال السنوات الأخيرة، أنه شريك مسؤول وفاعل في تدبير قضايا الهجرة والأمن الإقليمي. ولم يكن ذلك مجرد خطاب سياسي، بل واقع تؤكده الأرقام وعمليات التنسيق الأمني المتواصلة مع شركائه الأوروبيين، والتي أسهمت في تفكيك شبكات الاتجار بالبشر، وإحباط محاولات الهجرة غير النظامية، ومحاربة مختلف أشكال الجريمة العابرة للحدود. وهو ما جعل العديد من المسؤولين الأوروبيين يعترفون مرارًا بالدور المحوري الذي تضطلع به المملكة في حماية الأمن المشترك.
ومن المفارقات أن بعض الأصوات التي لا تتردد اليوم في توجيه أصابع الاتهام إلى المغرب، هي نفسها التي كانت بالأمس القريب تشيد بمستوى التعاون الأمني والاستخباراتي معه، وتعتبره نموذجًا للشراكة الفعالة في الضفة الجنوبية للمتوسط. فهل تغيرت الوقائع؟ أم أن الظرفية السياسية والإعلامية اقتضت البحث عن خطاب جديد يخاطب الرأي العام الداخلي الإسباني؟
إن الإعلام الحر لا يقاس بحدة العناوين، ولا بارتفاع سقف الاتهامات، وإنما بقدرته على احترام الوقائع، والتمييز بين الخبر والرأي، وبين التحليل والدعاية. وعندما يتحول جزء من الإعلام إلى امتداد للتجاذبات السياسية الداخلية، فإنه يفقد تدريجيًا أهم رأسماله، وهو المصداقية.
ولعل أكثر ما يثير الانتباه في هذه الحملة، هو تجاهلها للسياق الكامل للأحداث، وإغفالها للجهود المغربية الميدانية، وللرسائل الرسمية التي أكدت استمرار التعاون مع إسبانيا في إطار الاحترام المتبادل والمسؤولية المشتركة. كما أن هذه الحملة لم تتوقف عند حدود تناول ملف الهجرة، بل حاولت بعض الأصوات توظيفه للإساءة إلى صورة المغرب، والتشكيك في مكانته الإقليمية، بل وحتى ربطه بملفات لا علاقة لها بالأحداث الجارية، في خلط يعكس رغبة في صناعة أزمة إعلامية أكثر من البحث عن الحقيقة.
غير أن المغرب، بقيادة جلالة الملك محمد السادس نصره الله، لم يجعل يومًا من الانفعال أسلوبًا في إدارة علاقاته الخارجية. فمنذ سنوات، اختارت المملكة نهج الدولة الواثقة، التي تبني شراكاتها على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل، بعيدًا عن منطق التصعيد الإعلامي أو ردود الفعل العاطفية. وهي السياسة التي مكنت المغرب من ترسيخ حضوره كشريك موثوق به إقليميًا ودوليًا.
إن العلاقات المغربية الإسبانية أكبر من أن تختزلها افتتاحية غاضبة أو عنوان صحفي مستفز. فهي علاقات تحكمها الجغرافيا، ويعززها التاريخ، وتفرضها المصالح الاقتصادية والأمنية والإنسانية المشتركة. وأي محاولة لتحويل الأزمات الظرفية إلى وقود لحملات إعلامية لا تخدم سوى الأصوات التي تعيش على تأجيج التوتر، بينما يدرك العقلاء في البلدين أن مستقبل المنطقة رهين بالحوار والتعاون، لا بالتراشق الإعلامي.
ويبقى الدرس الأهم أن المغرب لم يعد ذلك البلد الذي تُصاغ صورته من خارج حدوده. فقد أصبح يمتلك مؤسساته، ودبلوماسيته، وإعلامه، وحضوره الدولي، وثقة شركائه. ولذلك فإن الحملات، مهما ارتفع منسوبها، لا يمكنها أن تحجب الحقائق ولا أن تغير مكانة المملكة التي بنتها بالعمل المتواصل، وبالاستقرار، وبالرؤية الاستراتيجية.
قد تستطيع بعض الأقلام أن تملأ صفحات الجرائد بضجيج الاتهامات، لكنها لن تستطيع أن تغير الجغرافيا، ولا أن تمحو حقيقة أن المغرب اليوم عنصر أساسي في أمن واستقرار غرب البحر الأبيض المتوسط، وشريك لا غنى عنه في مواجهة التحديات المشتركة. وهذه الحقيقة تثبتها الوقائع كل يوم، مهما حاولت بعض العناوين أن تقول غير ذلك.

error: Content is protected !!