المغرب الذي تغيّر.. حين تتحول الرؤية الملكية إلى قوة دولة

هالةانفو. بقلم : محمد اليطفتي

ليس من باب المبالغة القول إن المغرب الذي نعيش فيه اليوم ليس هو المغرب الذي كان عليه قبل ربع قرن.
فبين الأمس واليوم مسافة كبيرة قطعتها المملكة في زمن قياسي، بفضل رؤية ملكية اختارت منذ اعتلاء صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، عرش أسلافه المنعمين، أن تجعل من التنمية مشروعاً وطنياً متواصلاً، ومن تحديث الدولة ورشاً مفتوحاً، ومن الإنسان المغربي محوراً لكل تحول.
لم يكن الأمر يتعلق بتدبير مرحلة سياسية عابرة، ولا بمجرد إطلاق مشاريع متفرقة هنا وهناك، وإنما بتراكم اختيارات استراتيجية أعادت رسم صورة المغرب وموقعه داخل محيطه الإقليمي والدولي.
مغرب جديد تشكلت ملامحه تدريجياً عبر بنية تحتية غيرت جغرافية الاقتصاد، وصناعة أصبحت تنافس في الأسواق العالمية، وموانئ جعلت المملكة منصة لوجستيكية دولية، وطاقات متجددة وضعت المغرب في قلب التحول الطاقي، ودبلوماسية أعادت للمملكة حضورها الإفريقي والدولي، وإصلاحات اجتماعية تسعى إلى بناء منظومة أكثر شمولاً للحماية الاجتماعية.
ولذلك فإن الحديث عن حصيلة العهد الجديد لا ينبغي أن يكون مجرد احتفاء بالمنجز، وإنما يجب أن يكون أيضاً مناسبة لقراءة عميقة لمسار دولة انتقلت، في
ظرف زمني قصير نسبياً، من مرحلة بناء الأساس إلى مرحلة البحث عن موقع متقدم في عالم لا يعترف إلا بالدول القادرة على الإنتاج والمنافسة والابتكار.

لقد تغير المغرب.

وهذه ليست عبارة إنشائية ،إنها حقيقة تؤكدها التحولات التي عرفتها المملكة في بنيتها الاقتصادية والاجتماعية والمجالية، كما تؤكدها المؤشرات الدولية التي تتابع مسار الاقتصاد المغربي. فالبنك الدولي أشار في يوليوز 2026 إلى أن الاقتصاد المغربي حقق في 2025 نمواً يناهز 4.9 في المائة، وهو أقوى معدل نمو يسجله الاقتصاد الوطني خلال عقد، مدفوعاً خصوصاً بقوة الاستثمار العمومي وانتعاش القطاعات غير الفلاحية.
لكن قيمة هذا التحول لا تكمن في رقم النمو وحده.
القيمة الحقيقية تكمن في أن المغرب بنى، خلال السنوات الماضية، شروطاً جعلته أكثر قدرة على امتصاص الصدمات وأكثر استعداداً لمواجهة المستقبل.

منطق الدولة التي تبني للمستقبل

حين ننظر اليوم إلى المغرب من طنجة إلى الداخلة، ومن السواحل الأطلسية إلى المناطق الداخلية، يصعب ألا نلاحظ حجم التحول في البنية التحتية.
الطرق السيارة، والموانئ، والمطارات، والسكك الحديدية، والمناطق الصناعية، والمنصات اللوجستيكية، ومشاريع الماء والطاقة، لم تعد مجرد منشآت منفصلة، وإنما أصبحت جزءاً من منظومة متكاملة لإعادة بناء القدرة التنافسية للمملكة.
ميناء طنجة المتوسط، على سبيل المثال، لم يكن مجرد مشروع مينائي ضخم، بل كان قراراً استراتيجياً أعاد تعريف علاقة المغرب بالتجارة العالمية، ورسخ موقع المملكة كحلقة وصل بين أوروبا وإفريقيا والأسواق العالمية.
والقطار فائق السرعة لم يكن مجرد وسيلة نقل حديثة، وإنما كان تعبيراً عن مغرب يريد أن يلحق بركب الدول التي تستثمر في الزمن وفي سرعة الحركة وفي جودة الخدمات.
وهكذا، ينبغي أن نفهم فلسفة المشاريع الكبرى: ليست الغاية منها أن تبدو الدولة أكثر حداثة، وإنما أن تصبح أكثر قدرة على إنتاج الثروة وجذب الاستثمار وربط المجالات وخلق فرص جديدة.

الصناعة.. التحول الذي غيّر صورة الاقتصاد المغربي

من أكبر التحولات التي حققها المغرب انتقاله التدريجي من اقتصاد يعتمد بصورة كبيرة على القطاعات التقليدية إلى اقتصاد صناعي أكثر تنوعاً.
قطاع السيارات أصبح إحدى أهم قصص النجاح المغربية، والطيران عرف تطوراً لافتاً، والفوسفاط انتقل من تصدير المادة الخام إلى تطوير صناعات تحويلية أكثر قيمة، كما توسعت الصناعات الغذائية والإلكترونية والطاقات المتجددة والخدمات المرتبطة بها.

وهنا يتجلى ذكاء الاختيار الاقتصادي.

فالمغرب لم يحاول أن ينافس العالم في كل شيء، وإنما ركز على القطاعات التي يمتلك فيها مقومات تنافسية، واستثمر موقعه الجغرافي واتفاقياته التجارية واستقراره السياسي وبنيته التحتية لجذب سلاسل الإنتاج العالمية.

لكن المرحلة المقبلة تفرض سؤالاً أكثر عمقاً:متى ينتقل المغرب من استقطاب الصناعة إلى صناعة التكنولوجيا؟
ومتى تنتقل المقاولة المغربية من مجرد الاشتغال داخل سلاسل القيمة العالمية إلى قيادة أجزاء منها؟
إن الرهان المقبل ليس فقط على عدد المصانع التي ستفتح أبوابها، وإنما على مقدار المعرفة التي ستنتجها، والابتكار الذي ستطوره، والقيمة المضافة التي ستبقى داخل الاقتصاد الوطني.

الماء والطاقة.. أمن المغرب الجديد

لقد أصبح واضحاً أن مستقبل الدول لن تحدده فقط مواردها المالية أو قوتها الصناعية، وإنما قدرتها على تأمين الماء والطاقة.
والمغرب، بحكم موقعه المناخي وندرة موارده الأحفورية، كان مضطراً إلى أن يكون أكثر استباقية.
من هنا جاءت السياسة الملكية في مجال الطاقات المتجددة، والاستثمارات في الطاقة الشمسية والريحية، ثم الانفتاح المتزايد على الهيدروجين الأخضر، في محاولة لتحويل تحدي الطاقة إلى فرصة اقتصادية واستراتيجية.

أما الماء، فقد أصبح قضية وطنية بامتياز.
سنوات الجفاف المتتالية فرضت على المملكة إعادة التفكير في علاقتها بالموارد المائية، من خلال السدود، وتحلية مياه البحر، وإعادة استعمال المياه العادمة، وتحديث شبكات الري، ومحاربة ضياع المياه.

لكن التحدي أكبر من المشاريع.

إنه تحدي تغيير السلوك، وتحديث الفلاحة، وإعادة ترتيب الأولويات، وربط التنمية الاقتصادية بالقدرة الحقيقية على تحمل الكلفة البيئية والمائية.
فلا يمكن أن نبني اقتصاداً قوياً بمقدار ما نستهلك من الماء، بل بمقدار ما ننتج من قيمة بأقل قدر ممكن من الموارد.

الإنجاز الأصعب.. بناء الإنسان

ورغم أهمية كل ما سبق، يظل ناقصاً إذا لم ينعكس على حياة المواطن زلم يغير عقلية الإنسان.

وهنا تبدأ المعركة الأصعب.

إن بناء ميناء أو طريق أو مصنع أسهل من إصلاح مدرسة، وأسهل من تكوين طبيب، وأسهل من بناء منظومة تعليمية قادرة على إنتاج إنسان يمتلك أدوات المستقبل.
ولهذا فإن التعليم والصحة والتشغيل ليست ملفات اجتماعية هامشية، وإنما هي قلب المشروع التنموي كله.
وقد انتبهت الدولة إلى ذلك من خلال ورش الحماية الاجتماعية، الذي يمثل أحد أهم التحولات المؤسساتية في السنوات الأخيرة.
التغطية الصحية، والدعم الاجتماعي المباشر، وتوسيع الاستفادة من منظومة الحماية، كلها خطوات تعكس انتقالاً تدريجياً من سياسة اجتماعية مجزأة إلى تصور أكثر شمولاً.
لكن الاختبار الحقيقي لهذا الورش لن يكون في عدد المسجلين فقط، وإنما في جودة الخدمة الصحية، وفي قدرة الأسرة على مواجهة المرض، وفي توفر الطبيب والدواء، وفي تقليص الفوارق بين المدن والقرى.

والمواطن يقيس الدولة بما يجده عندما يمرض، وبما يراه عندما يرسل أبناءه إلى المدرسة، وبما يواجهه عندما يبحث عن عمل، وبما يتبقى في جيبه بعد نهاية الشهر.
وهذه هي الحقيقة التي يجب ألا تغيب عن صانع القرار.

الشغل.. الاختبار السياسي والاجتماعي الأكبر

لا يمكن الحديث عن مغرب صاعد دون الحديث عن الشباب.
فالمملكة تتوفر على ثروة بشرية هائلة، لكن هذه الثروة لا تتحول تلقائياً إلى قوة اقتصادية.
يجب أن تتحول المدرسة إلى بوابة للشغل، والجامعة إلى فضاء للابتكار، والتكوين المهني إلى رافعة للصناعة، والمقاولة إلى فرصة حقيقية أمام الشباب.
ووفق البنك الدولي، فإن المغرب قادر، من خلال إصلاحات هيكلية وتحسين بيئة الأعمال والاستثمار، على خلق نحو 1.7 مليون وظيفة إضافية بحلول 2035، ورفع الناتج الحقيقي بنحو 20 في المائة فوق خط الأساس.

هذه الأرقام تحمل في داخلها رسالة واضحة وهو أن المغرب يملك الإمكانات، لكن عليه أن يحررها.
فالاستثمار الذي لا يخلق الشغل يظل ناقص الأثر، والنمو الذي لا يصل إلى الطبقات المتوسطة والفقيرة يفقد جزءاً من معناه، والاقتصاد الذي لا يستوعب شبابه يهدد بإهدار أهم رأسمال يمتلكه.

العدالة المجالية.. الوجه الآخر للتنمية

لا تزال الفوارق بين المجالات واحدة من القضايا التي تستحق معالجة أكثر عمقاً.
فالمغرب الذي يمتلك مدناً عالمية المستوى، لا يمكنه أن يقبل بأن تظل مناطق أخرى تعاني ضعف الخدمات الأساسية أو محدودية فرص الاستثمار.

والجهوية المتقدمة ليست مجرد هندسة إدارية ،إنها مشروع لإعادة توزيع فرص التنمية.
فكل جهة يجب أن تكون قادرة على معرفة مكامن قوتها، واستثمار مواردها، واستقطاب المستثمرين، وخلق فرص الشغل، مع ضمان العدالة في توزيع الثروة الوطنية.
إن نجاح المغرب في المرحلة المقبلة سيكون رهيناً بقدرته على جعل التنمية أكثر قرباً من المواطن، وأكثر توازناً بين المجالات.

المغرب في إفريقيا.. حين تحولت الجغرافيا إلى استراتيجية

ومن أبرز التحولات التي شهدتها المملكة في عهد جلالة الملك محمد السادس، ذلك الحضور المتنامي في القارة الإفريقية.
العودة إلى الاتحاد الإفريقي لم تكن عودة رمزية، وإنما كانت جزءاً من رؤية استراتيجية تقوم على أن مستقبل المغرب مرتبط أيضاً بمستقبل إفريقيا.
الشراكات الاقتصادية، و الاستثمارات، والمشاريع البنكية واللوجستيكية، والتعاون في مجالات الأمن والطاقة والفلاحة والبنية التحتية، كلها جعلت المغرب لاعباً أكثر حضوراً في القارة.
وهنا تتجاوز السياسة الخارجية مفهوم العلاقات الدبلوماسية التقليدية.
فالمغرب يقدم نفسه كشريك في التنمية، وكممر بين أوروبا وإفريقيا، وكبلد يمتلك خبرة يمكن نقلها إلى محيطه الإفريقي.

الوحدة الترابية.. قضية الدولة والمجتمع

وفي قلب المشروع الوطني تبقى قضية الصحراء المغربية.
لقد استطاع المغرب أن يراكم خلال السنوات الأخيرة دعماً دولياً متزايداً لمقترح الحكم الذاتي باعتباره أساساً لحل سياسي واقعي، كما عزز شراكاته الدولية والإفريقية بما يخدم مصالحه الاستراتيجية.
لكن هذه القضية تحتاج دائماً إلى اليقظة.
فالدبلوماسية الناجحة لا تنام على انتصار، ولا تتعامل مع التحولات الدولية بمنطق الثبات.
والمطلوب ،كما يفعل المغرب بقيادة الملك محمد السادس، هو مواصلة العمل السياسي و الدبلوماسي والقانوني والإعلامي والاقتصادي، بما يجعل الدفاع عن الوحدة الترابية عملاً وطنياً مستمراً.

2030.. موعد مع العالم وامتحان أمام الذات

حين يستضيف المغرب كأس العالم 2030 إلى جانب إسبانيا والبرتغال، لن يكون العالم أمام بلد ينظم مباريات فقط.
سيكون أمام بلد يقدم نفسه كقوة صاعدة في منطقة استراتيجية.
ولهذا فإن 2030 ينبغي أن يكون أكثر من موعد رياضي.
إنه فرصة لتسريع الأوراش، وتحديث المدن، وتطوير النقل، ورفع جودة الخدمات، وتعزيز السياحة، وجذب الاستثمار، وتحسين صورة المملكة في العالم.
لكن التحدي الأكبر هو أن يبقى أثر هذه الاستثمارات بعد انتهاء البطولة.
فالمغاربة لا يحتاجون إلى ملاعب جميلة فقط، وإنما إلى نقل أفضل، ومستشفيات أفضل، ومدارس أفضل، ومدن أكثر تنظيماً، واقتصاد أكثر قدرة على خلق الثروة.
وهذا هو المعنى الحقيقي للإرث التنموي.

لا ينبغي أن يخيفنا الاعتراف بالتحديات

إن الوطنية ليست أن نقول إن كل شيء بخير ، فالوطنية الحقيقية هي أن نعرف ما تحقق، وأن نعترف بما لم يتحقق، وأن نمتلك الشجاعة لمعالجة الاختلالات.

المغرب قطع أشواطاً كبيرة.

لكن البطالة ما زالت تؤرق الأسر ،والقدرة الشرائية تحتاج إلى مزيد من الحماية ،والصحة والتعليم يحتاجان إلى إصلاحات أكثر عمقاً. ،والماء أصبح تحدياً وجودياً. ،ومشاركة النساء في سوق العمل لا تزال دون مستوى الإمكانات ،والمقاولة تحتاج إلى بيئة أكثر تنافسية ،والإدارة مطالبة بأن تكون أسرع وأكثر نجاعة ،والحكامة تحتاج إلى مزيد من ربط المسؤولية بالمحاسبة.
كل ذلك لا ينتقص من قيمة المنجز ،بل على العكس.
فالدول القوية هي التي تستطيع أن ترى نجاحاتها وأعطابها في المرآة نفسها.

المرحلة المقبلة.. من بناء المشاريع إلى صناعة الأثر

لقد كانت المرحلة السابقة، بدرجة كبيرة، مرحلة بناء.
أما المرحلة المقبلة فينبغي أن تكون مرحلة الأثر.
أي أن نسأل بعد كل مشروع: ماذا غير في حياة الناس؟
بعد كل استثمار: كم وظيفة خلق؟
بعد كل إصلاح: ماذا تحسن في حياة المواطن؟
بعد كل مؤسسة: هل أصبحت أكثر نجاعة؟
بعد كل ميزانية: كم قيمة أضيفت إلى الاقتصاد؟
إن هذه الأسئلة هي التي ستحدد ما إذا كان المغرب سينجح في الانتقال من دولة تنجز المشاريع إلى دولة تنتج التنمية.
وهنا تحديداً تظهر أهمية الرؤية الملكية.
فالرؤية لا تقاس فقط بما تم إنجازه، وإنما أيضاً بقدرتها على استشراف ما لم يأت بعد.
والمغرب اليوم أمام عالم جديد: الذكاء الاصطناعي، والاقتصاد الأخضر، والتحول الطاقي، والأمن السيبراني، والصناعات الجديدة، وإعادة تشكيل سلاسل الإنتاج العالمية.
ومن لا يستعد لهذا العالم اليوم، سيجد نفسه غداً في الهامش.

المغرب لا يبدأ من الصفر

المغرب لديه استقرار سياسي ومؤسساتي، وبنية تحتية متقدمة، وموقع جغرافي استثنائي، وموانئ عالمية، وصناعة متنامية، وشبكة واسعة من العلاقات الدولية، ورصيد دبلوماسي مهم، وتجربة متراكمة في مشاريع التنمية الكبرى.
لكن امتلاك هذه العناصر لا يعني أن المعركة انتهت ،بل يعني أن مسؤولية المرحلة المقبلة أصبحت أكبر.
لقد تم بناء الأساس ،والآن يجب بناء الطابق الأعلى.
يجب أن تصبح المدرسة المغربية أكثر جودة.
والمستشفى أكثر إنصافاً.
والإدارة أكثر سرعة.
والاقتصاد أكثر إنتاجية.
والمقاولة المغربية أكثر قوة.
والشباب أكثر حضوراً.
والمرأة أكثر اندماجاً في الاقتصاد.
والجهات أكثر قدرة على صناعة التنمية.
والدولة أكثر نجاعة في تحويل المال العام إلى قيمة اجتماعية واقتصادية.

الرؤية الملكية.. مشروع دولة وليس مشروع مرحلة

في نهاية المطاف، فإن ما تحقق في المغرب خلال ربع قرن لا يمكن اختزاله في قائمة مشاريع.
إنه تحول في فلسفة الدولة نفسها.
دولة تريد أن تكون حاضرة في إفريقيا، ومتصلة بالعالم، ومندمجة في الاقتصاد الدولي، ومهيأة للتحولات المناخية والتكنولوجية، وقادرة على حماية مواطنيها اجتماعياً، وفي الوقت نفسه مصممة على الحفاظ على ثوابتها ومصالحها الوطنية.
وهذا هو جوهر الرؤية الملكية التي قادت المغرب طوال هذه المرحلة.
لكن الرؤية وحدها لا تكفي،الرؤية تحتاج إلى مؤسسات تنفذ.
والإرادة تحتاج إلى مسؤولين يترجمونها.
والاستثمارات تحتاج إلى حكامة.
والإصلاحات تحتاج إلى شجاعة.
والدولة تحتاج إلى إدارة تؤمن بأن خدمة المواطن ليست امتيازاً تمنحه، وإنما واجب تؤديه.
وهنا تتحدد مسؤولية الجميع.
فالمستقبل المغربي لن يصنعه القصر وحده، ولا الحكومة وحدها، ولا الأحزاب وحدها، ولا القطاع الخاص وحده.
إنه مشروع مجتمع ودولة.
وإذا كان جلالة الملك قد وضع خلال السنوات الماضية الأسس الكبرى لمغرب جديد، فإن مسؤولية المرحلة المقبلة هي أن نحسن البناء فوق تلك القواعد المتينة.
والمغرب يعيش اليوم واحدة من أهم فرصه التاريخية.
فرصة أن يحول موقعه إلى قوة، وشبابه إلى ثروة، وموارده إلى قيمة، واستقراره إلى استثمار، وانفتاحه إلى نفوذ، وتجربته التنموية إلى نموذج، وطموحه إلى ريادة.

لقد تغير المغرب بالفعل ،لكن السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا جميعاً ليس: ماذا أنجزنا؟
بل:إلى أي مغرب نريد أن نصل؟

والجواب عن هذا السؤال هو الذي سيحدد معنى السنوات المقبلة.
فالرؤية الملكية فتحت الطريق، والمنجزات جعلت الطريق ممكناً، أما الوصول إلى مغرب أكثر قوة وعدلاً وازدهاراً، فيحتاج إلى مواصلة السير، بنفس الثقة، وبسرعة أكبر، وبحكامة أقوى، وبإيمان راسخ بأن أفضل ما في المغرب ليس ما أنجزه إلى اليوم، وإنما ما يستطيع أن ينجزه غداً.

error: Content is protected !!