يعود عيد الشباب المجيد، في الحادي والعشرين من غشت من كل سنة، حاملا معه ذلك المعنى الوطني العميق الذي جعل من هذه المناسبة موعدا للاحتفاء بشباب المغرب، واستحضار المسيرة الموفقة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، الذي يحتفل اليوم بالذكرى الثالثة والستين لميلاده، في ظل مسيرة ملكية جعلت من بناء مغرب قوي، حديث، متضامن ومنفتح، عنوانا بارزا لعهد جديد في تاريخ المملكة.
إنها مناسبة لا تستقيم قراءتها خارج سياق ربع قرن ونيف من العهد الملكي لجلالة الملك محمد السادس، ربع قرن ونيف لم يكن مجرد امتداد زمني، وإنما كان مسارا متواصلا لإعادة صياغة كثير من ملامح المغرب، وترسيخ مقومات دولة عصرية واثقة من نفسها، معتزة بهويتها، متمسكة بثوابتها، ومنفتحة في الوقت ذاته على التحولات الكبرى التي يشهدها العالم.
وما أكثر ما يمكن أن يقال في هذه المسيرة، وما أكثر ما يمكن أن تستحضره الذاكرة الوطنية من أوراش ومنجزات تحولت، في سنوات قليلة، من أفكار ومخططات إلى واقع ملموس يراه المغاربة في حياتهم اليومية.
فمن طنجة المتوسط، الذي أصبح واحدا من أبرز الموانئ والمنصات اللوجستيكية العالمية، إلى شبكة الطرق السيارة والقطارات والمشاريع الكبرى في النقل والربط بين جهات المملكة، ومن الأوراش الصناعية الكبرى إلى الطاقات المتجددة، ومن تطوير المدن والمراكز الحضرية إلى برامج تأهيل العالم القروي والمناطق الجبلية، تشكلت على امتداد سنوات العهد الجديد معالم مغرب جديد، لا يكتفي بمواكبة التحولات العالمية، وإنما يسعى إلى أن يكون فاعلا ومؤثرا فيها.
ولعل أعظم ما يميز الرؤية الملكية أن التنمية لم تُختزل في الإسمنت والطرق والمنشآت، وإنما ظلت التنمية البشرية في صميم المشروع. فالمواطن المغربي، وخاصة الفئات الأكثر هشاشة، ظل حاضرا في مختلف الأوراش الاجتماعية الكبرى، وصولا إلى ورش الحماية الاجتماعية الذي يمثل تحولا نوعيا في تصور الدولة لمسؤوليتها الاجتماعية، ويؤسس لعدالة اجتماعية أكثر اتساعا وشمولا.
وفي قلب هذه الرؤية يوجد الشباب.
فجلالة الملك، منذ اعتلائه العرش، لم ينظر إلى الشباب باعتبارهم مجرد مستفيدين من السياسات العمومية، وإنما باعتبارهم قوة المغرب الحقيقية، وطاقته المتجددة، ورصيده الاستراتيجي للمستقبل. ولذلك ارتبطت مرحلة كاملة من بناء المغرب الحديث بإعطاء الشباب إمكانات أوسع للتكوين والإبداع والمبادرة والمشاركة.
وإذا كان المغرب قد راكم اليوم خبرة كبيرة في تنظيم التظاهرات الكبرى، وأصبح يستعد لاحتضان كأس العالم 2030 إلى جانب إسبانيا والبرتغال، فإن هذا الموعد العالمي لم يأت من فراغ، وإنما هو ثمرة مسار طويل من الاستثمار في البنيات التحتية والقدرات التنظيمية والرياضة الوطنية. وقد أكد مسؤولون أن تنظيم مونديال 2030 يندرج ضمن مشروع تنموي انطلق منذ أكثر من عقدين، وأن الاستعدادات له تفتح أوراشا واسعة في النقل والصحة والبنيات التحتية والخدمات.
والرياضة بدورها تحولت، في عهد جلالة الملك، إلى إحدى واجهات القوة الناعمة للمملكة. وما حققته الرياضة المغربية، ولاسيما كرة القدم، خلال السنوات الأخيرة، لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة رؤية طويلة المدى للاستثمار في الإنسان والتكوين والبنيات الرياضية، وهو ما جعل المغرب يحظى بإشعاع غير مسبوق قاريا ودوليا.
و المنجز الملكي لا يقاس فقط بحجم الأوراش الكبرى، بل كذلك بقدرة المغرب على أن يجد لنفسه مكانا متقدما في محيطه الإفريقي والدولي.
لقد عاد المغرب إلى مؤسساته الإفريقية، واستعاد موقعه الطبيعي في القارة، وبنى شبكة واسعة من الشراكات الاقتصادية والتنموية، وأصبح حضوره الإفريقي عنوانا من عناوين سياسته الخارجية. وفي الوقت نفسه، تعززت علاقات المملكة مع مختلف القوى الدولية، وأصبح المغرب، بما راكمه من مصداقية واستقرار وخبرة، شريكا مطلوبا في ملفات عديدة تتجاوز حدوده الجغرافية.
وفي هذا كله، تبرز شخصية صاحب الجلالة الملك محمد السادس باعتباره مهندس رؤية استراتيجية لم تعد تقرأ المغرب باعتباره بلدا يعيش فقط في جغرافيته، وإنما باعتباره جسرا بين القارات، ونقطة التقاء بين إفريقيا وأوروبا والعالم العربي، وبلدا قادرا على تحويل موقعه الجغرافي إلى قوة اقتصادية ودبلوماسية وتنموية.
لقد تغير المغرب كثيرا خلال ربع قرن ونيف
تغيرت مدنه، وتطورت بنياته، وتوسعت اقتصاده، وتعززت قدراته الصناعية واللوجستيكية، وتطورت طموحاته الرياضية، واتسع حضوره الإفريقي والدولي، وتغيرت صورة المملكة في أعين العالم.
لكن الأهم من ذلك كله أن المغرب اكتسب، في ظل القيادة الملكية، ثقة متزايدة في قدرته على الإنجاز.
وهذه الثقة هي واحدة من أثمن منجزات العهد الجديد.
فالمغرب الذي كان ينظر إلى بعض المشاريع الكبرى باعتبارها أحلاما بعيدة، أصبح اليوم يستعد لاحتضان أكبر التظاهرات العالمية، ويستقطب الاستثمارات الكبرى، ويطور صناعات متقدمة، ويشق طريقه بثبات نحو اقتصاد أكثر تنوعا وتنافسية، دون أن يتخلى عن هويته الوطنية وثوابته التاريخية.
إن الاحتفال بعيد الشباب، لذلك، ليس احتفالا بذكرى ميلاد جلالة الملك فحسب، وإنما هو احتفاء بمسيرة وطنية كاملة؛ مسيرة تداخل فيها العمر الملكي مع عمر مشروع وطني متجدد، وتقاطعت فيها تطلعات جيل من المغاربة مع رؤية ملك اختار أن يجعل من التنمية والاستقرار والتحديث والانفتاح عناوين أساسية لعهد جديد.
وإذا كان الشباب هو عنوان المستقبل، فإن جلالة الملك محمد السادس جعل من المستقبل نفسه عنوانا متقدما في تدبير حاضر المغرب.
لقد كان الرهان دائما هو أن يكون المغرب الذي سيعيش فيه أبناء الغد أفضل من المغرب الذي تسلمه جلالة الملك عند اعتلائه العرش، وأن تكون كل طريق جديدة، وكل ميناء، وكل مدرسة، وكل مستشفى، وكل مشروع صناعي، وكل ورش اجتماعي، لبنة في بناء ذلك المغرب.
واليوم، ونحن نحتفل بالذكرى الثالثة والستين لميلاد جلالة الملك، نستحضر بكل اعتزاز هذه المسيرة، ونقرأ في منجزاتها عنوانا واضحا لإرادة ملكية لم تتوقف عن العمل من أجل مغرب أكثر قوة ومنعة، وأكثر عدالة وتضامنا، وأكثر حضورا وتأثيرا في محيطه الإقليمي والدولي.
إنه عيد الشباب، ولكنه أيضا عيد الأمل في المستقبل.
وهو عيد يحق للمغاربة فيه أن ينظروا إلى ما تحقق بعين الاعتزاز، وأن يتطلعوا إلى ما هو آت بثقة أكبر.
ففي عهد جلالة الملك محمد السادس، لم يعد المستقبل مجرد وعد مؤجل، بل أصبح ورشا مفتوحا.
وكل عيد شباب، والمغرب يمضي إلى الأمام.
وكل عام، وجلالة الملك محمد السادس، أمير المؤمنين، في أتم الصحة والعافية، قائدا لمسيرة هذا الوطن، وراعيا لوحدته واستقراره، وملهما لطموحه نحو مغرب أقوى وأزهى وأكثر ازدهارا.
حفظ الله جلالة الملك، وأدام عليه نعمة الصحة والعافية، وأقر عينه بولي عهده صاحب السمو الملكي الأمير مولاي الحسن، وبسائر أفراد الأسرة الملكية الشريفة، وأبقى المغرب، تحت القيادة الحكيمة لجلالته، واحة أمن واستقرار، وبلدا صاعدا يثق في قدراته، ويصنع مستقبله بثبات وثقة.