مع حلول كل صيف، تعود المخيمات الصيفية بالمغرب إلى واجهة النقاش العمومي، محمّلة بخطابات رسمية تؤكد أهمية التخييم ودوره في خدمة الطفولة والشباب ،وبصور احتفالية توحي بأن المنظومة تسير في الاتجاه الصحيح.
غير أن خلف هذا البريق، يظل واقع الممارسة أكثر تعقيدا، إذ يكشف عن اختلالات بنيوية وأسئلة مؤجلة حول البنية التحتية، وجودة التأطير، وظروف الإقامة، وآفاق تطوير هذا القطاع الحيوي.
فبعد أكثر من سبعة عقود على الاستقلال، ما تزال شبكة مراكز التخييم تواجه تحديات مرتبطة بالتقادم ومحدودية الطاقة الاستيعابية والحاجة المستمرة إلى التأهيل والتجهيز.
كما أن جزءا من هذه المراكز يعود إلى عقود سابقة، فيما خرج بعضها من الخدمة أو لم يعد يستجيب بالقدر الكافي لمتطلبات العصر، في مقابل ارتفاع الطلب الاجتماعي على فضاءات آمنة ومجهزة تستجيب لحاجات الأطفال والأسر.
غير أن جوهر الإشكال لا يكمن فقط في عدد الأطفال الذين تستقبلهم المخيمات، بل في طبيعة التجربة التي نقدمها لهم.
فالمخيم ليس مجرد مكان للإقامة الصيفية، ولا فضاء للترفيه وتمضية العطلة.
إنه مؤسسة تربوية موازية، ومدرسة مفتوحة لتعلم الاستقلالية والانضباط والتعاون والتعايش وتحمل المسؤولية. وفيه يكتشف الطفل ذاته، ويتعلم كيف يعيش مع الآخرين بعيدا عن الأسرة والمدرسة، ويكتسب مهارات وقيم قد تظل حاضرة في شخصيته لسنوات طويلة.
ومن هذه الزاوية، فإن جودة المخيم ينبغي ألا تقاس فقط بعدد المستفيدين، وإنما أيضا بجودة البرامج التربوية، وكفاءة الأطر، ومستوى السلامة، وظروف الإقامة والتغذية، ومدى قدرة الأنشطة على تحقيق أهدافها التربوية والثقافية والرياضية.
المغرب يمتلك، في المقابل، مؤهلات طبيعية ومجالية استثنائية لبناء نموذج وطني متقدم في مجال التخييم ،من السواحل والشواطئ إلى الجبال والغابات والمناطق القروية.
وهي مؤهلات تسمح بتطوير عروض متنوعة تجعل من التخييم مدرسة حقيقية لاكتشاف الوطن وتنوعه الطبيعي والثقافي والمجالي.
لكن بلوغ هذا الهدف يتطلب تجاوز منطق التدبير الموسمي والانتقال إلى سياسة عمومية واضحة ومستدامة ..سياسة تقوم على استراتيجية متعددة السنوات، تستهدف توسيع شبكة مراكز التخييم وتأهيلها، وتجهيزها وفق المعايير الحديثة، وضمان شروط السلامة والصحة، والاستثمار في تكوين الأطر التربوية وتأهيلها، مع إخضاع البرامج والفضاءات لعمليات تقييم منتظمة ومستقلة.
كما أن إصلاح منظومة التخييم يقتضي إشراك الفاعلين الجمعويين والتربويين الذين راكموا، على مدى عقود، خبرات ميدانية مهمة. فهؤلاء ليسوا مجرد منفذين لبرامج موسمية، بل شركاء أساسيون في بناء سياسة وطنية للطفولة والتخييم، وينبغي أن يكون لهم حضور حقيقي في صياغة التصورات وتقييم السياسات العمومية.
إن استمرار التعامل مع التخييم بمنطق الموسم والاستجابة للضغط والطلب الآني لن يسمح ببناء منظومة قوية ومستدامة. المطلوب هو الانتقال من موسم للتخييم إلى سياسة وطنية للتخييم، ومن منطق رفع أعداد المستفيدين إلى منطق ضمان جودة التجربة، ومن تدبير الأزمات إلى التخطيط الاستباقي.
فالطفولة المغربية لا تحتاج إلى شعارات صيفية عابرة، بقدر ما تحتاج إلى سياسة تؤمن بأن الاستثمار في الطفل هو استثمار في مستقبل البلاد.
وفي النهاية، قد تبدأ صناعة المواطن من نشاط بسيط داخل مخيم صيفي، من لعبة جماعية أو ورشة تربوية أو ليلة حول نار المخيم؛ لكنها في عمقها تساهم في بناء شخصية الإنسان الذي سيحمل غداً مسؤولية المجتمع والوطن.
فالسؤال الحقيقي ليس: كم طفلا يستفيد من المخيم؟ بل: أي إنسان نريد أن نُخرج منه؟