حصون تطوان: عبقرية التضاريس والامتزاج الأندلسي المغربي

هالة انفو. بقلم :عبد العزيز حيون

مدينة تطوان هي نموذج فريد للهندسة الدفاعية التي استجابت للظروف الجغرافية والتاريخية المعقدة في شمال المغرب إبان فترات زمنية سابقة .
فالعمارة العسكرية لهذه المدينة تتجاوز مفهوم أسوار وأبراج للتحصين، الى تجسيد معماري حي وواقعي يربط بين الدهاء الهندسي الأندلسي والأصالة العسكرية المغربية، حيث جرى توظيف الموقع الجغرافي فوق جبل درسة والمطل على البحر الأبيض المتوسط وسفوح وادي مارتيل لإنشاء نظام دفاعي محكم لم يستطع الأعداء اختراقه لقرون رغم الموقع الحساس .
و تعد العمارة العسكرية في مدينة تطوان العتيقة ،المصنفة تراثا عالميا، نموذجا ذكيا كان الهدف الأساسي منه هو الدفاع والتحصين ضد الغارات الأجنبية، خاصة بعد إعادة بناء المدينة في القرن الخامس عشر،لكن في ذات الوقت ضمان إنسجام هذا البناء العسكري مع هندسة تطوان المعمارية وعمرانها .
وبرزت العمارة العسكرية بتطوان كحلقة وصل بين التقنيات المعمارية التي حملها الموريسكيون والتقاليد السعدية والعلوية الأصيلة، ويتجلى ذلك في تقنيات البناء واستخدام مواد “الطابية” (التراب المدكوك) المستوردة من أسلوب بناء الحصون الأندلسية لتصنيف الصدمات أي تقسيم وتوزيع الصدمات واستخدام الأحجار الكلسية المحلية الضخمة ودعم الأسوار بالآجور المغربي في الزوايا الحساسة.
كما يتجلى ذلك في شكل الأبراج والتحصينات ،الأبراج المربعة ونصف الدائرية المجهزة بفتحات رمي السهام والمدافع المائلة ،دون الحديث عن تفرد قصبة سيدي المنظري بتصميمها القائم على مفهوم “المشور” والنظام الدفاعي المحيط بالمقر السلطاني ،إضافة الى الأسوار و الأبواب المنكسرة لكسر زاوية هجوم الفرسان (مثل باب العقلة وباب التوت) والشرافات المسننة أعلى الأسوار والممرات الداخلية الخاصة بفرسان العسس والحراسة.
ولعل من أبرز ملامح هذه العمارة العسكرية أيضا الأحزمة الدفاعية ،فتطوان يحيط بها سور ضخم يمتد على طول حوالي 5 كيلومترات ،ويتميز هذا السور بمتانته وعلوه الذي يتراوح بين 5 و7 أمتار وطريقة بنائه و المكونات الطبيعية التي شيد بها ،التراب و الحجارة المحلية التي تلائم الطبيعة المحيطة ، مما منح هذا السور قدرة عالية على امتصاص ضربات المدافع قديما ،والذي يحتوي الجزء العلوي منه على ممرات ضيقة مخصصة للجند لمراقبة التحركات الخارجية.
و تنتشر على طول السور المحيط بتطوان أبراج دفاعية استراتيجية، من أهمها برج المشوار الذي يقع في منطقة حيوية وكان مخصصا لمراقبة المداخل الرئيسية، وتم توزيع الأبراج المربعة والدائرية بذكاء لتغطية “الزوايا الميتة” بحيث لا يستطيع العدو الاقتراب من السور إلا ويكون في مرمى النيران.
و الأبواب السبعة لمدينة تطوان ،التي تخترق السور على مدار المدينة، ليست مجرد مداخل وممرات للاستعمال اليومي ، بل هي منشآت دفاعية بامتياز، وقد صممت بفتحات علوية لصب الزيوت المغلية أو الرمي بالسهام، ومن أشهرها باب العقلة كأحد أهم الأبواب التي كانت تشكل خط الدفاع الأول، وباب النوادر وباب التوت ،مع العلم أن هذه الأبواب كانت تُغلق بإحكام عند غروب الشمس، ولا تُفتح إلا عند الفجر، لدواع أمنية صارمة.
ورغم أهمية ما ذكر عن التحصينات القديمة لا بد من الحديث بشكل خاص عن القصبة (القلعة العسكرية) ، في أعلى حي الطالعة وبرج اللفعة ،فهذه القلعة التي تقع في أعلى نقطة من المدينة (جبل الدرسة)، هي أيضا قلب نابض للعمارة العسكرية بشكل عام ،و كانت مقرا للحامية العسكرية ،ومحاطة بأسوار خاصة بها ومنفصلة عن أسوار المدينة، لتكون بمثابة “الملجأ الأخير” في حال سقوط المدينة.
وختاما تشكل العمارة العسكرية التاريخية لتطوان شاهدا حيا على عبقرية التخطيط الدفاعي وملحمة الصمود التي ميزت تاريخ المدينة ، ومن تم يتعدى دور القصبات والأبراج والأسوار وظيفة حواجز حجارية للحماية من الهجمات الأجنبية والغارات البحرية، الى عمارة تعكس الاندماج الأندلسي-المغربي الفريد الذي طبع هوية المدينة وعمرانها.
واستنادا الى ذلك يتجاوز الحفاظ على هذا التراث المعماري “الحربي” وتثمينه اليوم مفهوم الحنين إلى الماضي الى ضرورة صون الهوية التاريخية لتطوان بشكل خاص وللمغرب بشكل عام ، وتحويل هذه الشواهد الخالدة من أبراج ومتاهات دفاعية إلى منابر ثقافية وسياحية تحكي للأجيال القادمة قصة مدينة حمت ثغور الوطن واستعصت على الاندحار عبر القرون.

error: Content is protected !!