خلط الأوراق السياسية في إسبانيا وترقب المغرب للاستقرار الاستراتيجي
هالة انفو. بقلم :عبد العزيز حيون
دخل المشهد السياسي في مدريد مرحلة من “الغموض” الكبير إثر الإعلان الرسمي لرئيس الحكومة الإسبانية، بيدرو سانتشيث، عن حل البرلمان والدعوة إلى انتخابات عامة مبكرة في 29 نوفمبر 2026.
تأتي هذه الخطوة الاستثنائية عقب إسقاط مرسومي الإسكان بالبرلمان يوم الجمعة الماضي، جراء تصويت مشترك أجمعت عليه أحزاب المعارضة من اليمين واليمين المتطرف (الحزب الشعبي وحزب “فوكس”) إلى جانب حزب (Junts) الكتالوني.
ورغم أن هذا القرار يعكس دينامية داخلية بحتة، إلا أن صداه يتردد بوضوح في المغرب، حيث تتابع المملكة كواليس هذا التحول عن كثب.
فالتشابك السياسي والاقتصادي، والقضايا الأمنية المشتركة، والعدد الكبير لأفراد الجالية المغربية المقيمة بإسبانيا، تجعل من هوية القاطن المستقبلي لقصر “المونكلوا” محط اهتمام استراتيجي بالنسبة للرباط.
أولا ،خلفيات الانكسار البرلماني والدعوة المباغتة…
فلم تكن دعوة سانتشيث للانتخابات مجرد مناورة تكتيكية، بل فرضها الانسداد التشريعي الصريح الذي يستأثر كثيرا باهتمام نسبة عريضة من المواطنين الإسبان نظرا لحساسيته وخلفيته الاجتماعية وارتباط المعيش اليومي لآلاف الإسبان بالموضوع/القضية .
و عكس بجلاء التقاطع غير المتوقع بين المعارضة اليمينية وحزب Junts هشاشة الأغلبية الحكومية واستحالة تمرير المشاريع الاجتماعية.
و خلف الانسداد تمديدا لميزانية 2023 وألقى بأعباء ضريبية متزايدة على القطاع الاقتصادي والمقاولات.
وفي المقابل، اختار سانتشيث إعادة الكلمة للناخبين لمواجهة خيارين لا ثالث لهما: حماية المكتسبات الاجتماعية أو فسح المجال لعودة اليمين واليمين المتطرف.
ثانيا، خريطة المواقف السياسية والردود المباشرة..
فإذا كان بيدرو سانتشيث (PSOE) قد نبه الى ضرورة “المفاضلة بين العدالة الاجتماعية أو الموجة اليمينية” وأكد استعداده التام للدفاع عن الحصيلة الاقتصادية لحكومته ومعدلات النمو والتأكيد على خيار التحول الرقمي والأخضر ،فإن منافسه السياسي ألبيرتو نونييث فيخو (PP) يروج حاليا لاستراتجية مضادة عنونها ب”أخيرا (Por Fin) .. بين النزاهة والازدهار”،معلنا جاهزية حزبه اليميني لقيادة “مشروع توافق وطني وإنهاء حالة الشلل والفساد “، حسب تعبيره .
ومن جانبه ، حذر سانتيغاو أبادسكال (Vox) من “تكرار سيناريو 2023” ، داعيا القاعدة الانتخابية لعدم الاطمئنان للاستطلاعات والتأكيد على تعبئة الميدان.
وبخصوص تكتل اليسار (Sumar / Podemos)، فقد أعلن عن خوض الاستحقاق تحت منصة موحدة، مع مقترح Podemos لإجراء مشاورات وقرارات أولية يومي 14 و15 أكتوبر.
ويرى القطاع الاقتصادي (ATA / CEOE) أن الانتخابات المبكرة قد تكون “الحل لحالة الانسداد المالي” ، مشددا على ضرورة الحسم الانتخابي لتجاوز تمديد الميزانيات وتخفيف العبء الضريبي.
ثالثا، ثبات العلاقات الاستراتيجية أم العودة للمجهول مع المغرب؟
يعي المغرب جيدا أن استمرار الحزب العمالي الاشتراكي الإسباني (PSOE) ونجاحه في انتخابات 29 نوفمبر يمثل ضمانة عملية لاستمرار دينامية الموقف الإسباني الداعم لمبادرة الحكم الذاتي بالصحراء المغربية. وبالمقابل، تنظر الأوساط المغربية بحذر نحو احتمال فوز الحزب الشعبي وحلفائه من اليمين، بالنظر إلى السجل التاريخي والمواقف المتشنجة لليمين الإسباني اتجاه قضايا الجوار الجنوبي.
و ترتبط إدارة تدفقات الهجرة والتعاون الاستخباراتي بالاستقرار السياسي في مدريد، ولا سيما بحضور الجالية المغربية الكبيرة كعنصر بشري واقتصادي حيوي في إسبانيا.
وتعد إسبانيا الشريك التجاري الأول للمغرب، ويظل الاستقرار الحكومي ضامنا لتكامل المشاريع الاستثمارية والهيكلية، وصولا إلى الاستحقاق التنظيمي المشترك لكأس العالم 2030.
و لهذه الأسباب ولأسباب أخرى وجيهة ،يترقب المغرب نتائج صناديق الاقتراع في إسبانيا ليس مجرد متابعة لشأن خارجي، بل تقييم دقيق لمدى قدرة مؤسسات مدريد على الحفاظ على علاقات متوازنة ومستدامة، بعيدا عن أزمات الاستقطاب الداخلي.